فصل: وينبغي للحاج والمعتمر بعدما أحرما أن يكون صمتهما أكثر من كلامهما، ولا يتكلما فيما لا يعنيهما.
قال الله عز وجل: {فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ} .
وجاء عن ابن عباس رضي الله عنه: الحلال أن تماري صاحبك حتى تعصه في الفسوق والمعاصي، وقال عطاء والضحاك.
ولم يختلف في أن الوقت المباشرة، ألا ترى أنه روي عن بعضهم أن التعريف من الوقت، وهو أن يقول المحرم لامرأته: لو قد أحللت لكنت أصبت منك.
فلا ينبغي أن يكلمها بما يهدمنه.
روى كراهية مثل ذلك عن ابن عباس وابن الزبير وبايعهما عليه طاووس وعطاء.
فلا بأس بالزجر وما يشبهه، أن يقوله المحرم في معنى نسكه.
كما يروى أن عمر رضي الله عنه لما بلغ وادي خيبر حرك راحلته.
وكان يقول: إليك تعدو قلعًا وحنينها، مخالفًا دين النصارى دينها، فقال أن ابن عمر كان يريد معترضًا في بطنها جنينها.
وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلّم - أنه سعى في بطن الوادي وهو يقول: «لا تقطع الأبطح الأشد» .
فهذا وأمثاله لا بأس بها والله أعلم.
فصل: واختلف الناس في التعريف لغير مكة، فروي عن الحسن قال: أول من عرف بالبصرة ابن عباس: وقال موسى بن أبي عائشة: رأيت عمر بن حريث يخطب يوم عرفة، وقد استمع الناس إليه وذلك يحسن، لأن أهل الأمصار يكبرون أيام منى كما يكبر الحاج، ويصلون يوم النحر بدلًا من طواف الحج، ويضحون كما يضحي الحجاج والعمار عن مكة، فينبغي لهم أن يأتوا المدينة ليزوروا تربة رسول الله - صلى الله عليه وسلّم -، ويسلموا عليه وعلى صاحبيه.
فإذا أشرفوا عليها ورأوها قالوا: ما ذكرنا قبل هذا أن المسافر يقول كلما أشرف على بلد وقرية يريد نزولها، فإذا دخلوا المدينة قالوا: اللهم اجعل حرم رسولك أمنًا لنا من العذاب وسوء الحساب بمنك وطولك، ثم لا يعرجوا على شيء حتى يأتوا مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلّم -.
فإذا دخلوه بدأوا بالصلاة، فحيوا المسجد بركعتين، ثم يمضون إلى حضيرة القبر، فاستقبلوا وجه رسول الله - صلى الله عليه وسلّم -، وقالوا: السلام عليك يا رسول الله، نشهد أنك بلغت رسالة ربنا وأديت إلينا كتابه، وثبت فينا أحكامه، وبينت لنا حلاله وحرامه، وعرفتنا وعده ووعيده، وجاهدت في الله حق جهاده، ونصحت أكمل النصح لعباده، وأظهرت شرائع الحق في بلاده، ولم تزل قائمًا بدينه هاديًا بأمره حتى توفاه إلى كرامته، وقبضك إلى روحه وراحته، فصلى الله عليك، وأحسن عنا جزاءك، وأتاك الوسيلة والرفعة والفضيلة، وسلم عليك تسليمًا يوازي قدرك ويقضي عنا حقك.