فهرس الكتاب

الصفحة 79 من 1140

ألا ترى أن درجات الصلاة عندك لا تزداد بالصيام ولا درجات الصيام بالحج، فكذلك يلزمك أن تقول: إن فضل شهادة الحق ودرجاته لا تزداد بخير، سواها يؤتى به بعدها إن لم يكن إيمانًا مثلها.

فإن قلت: بل يزداد، لزمك أن تقول: إن كل خير يكتسب بعدها من دوامها فهو إيمان، وإنما يزداد فضل الشهادة بها لانضمام اشتباهها، كما يزداد فضل الصيام واجتماع حقوقها وشروعها والله أعلم.

وكل ما قلته في هذه الآية فهو في غيرها مثله وبالله التوفيق.

وأما استشهادك بالصلاة بمكة فغير صحيح.

لأن تضعيفها لا يتعلق بزيادة فعل يكون من المصلي سوى ما يكون منه لا بمكة فمثلها أن المراد به تضعيف الثواب فقط، وأما زيادة الإيمان فلا تحدث إلا بفعل يحدثه المؤمن زائدًا على ما تقدم منه، فإن لم يكن ذلك الفعل إيمانًا، لم يجز أن يزيد في درجات الشهادة المقدمة، إذ لو جاز ذلك لجاز أن يكون فعل المباحات يزيد في درجات، ولما لم يجز ذلك وزادت الطاعات عنده في درجات الشهادة صح أنها إيمان مثلها، فإذا انضمت إليه يثوب بها، فازداد بذلك ثوابها، والله أعلم.

وأما استدلاله على أن المراد بزيادة الإيمان زيادة درجاته ونقصان ثوابه، بل كان زيادة في نفس الشيء، فإن ارتفاعه يوجب نقصانًا فيه، وترك الطاعات يوجب نقصانًا في الإيمان، ومع ذلك يحتج عليه بقول نفسه فلا يبالي وكأنه لا غرض له إلا أن يسود بياضًا.

أو يقال: قد قال: وليس هذا من الآية بسبيل، فإن سئل عن نقصان الإيمان ترك الطاعات.

قيل له: أقل ذلك إن صح يكن له طاعة، إلا شهادة الحق صار صريح إيمانه معارضًا بإمارات الكفر، لا أن المعاصي كلها فروع الكفر، وهي إذا عارضته أوهنته كما لو صاحبته الطاعات التي هي إمارات التصديق لقوته.

ولهذا سمى المسلمون الفسق جرحًا وخلافه عدالة.

فقلت: إن ترك الطاعات ناقص من الإيمان، وإن الأمر في ذلك بخلاف ما قدر والله أعلم.

وأما من قال: إن المعاصي تحبط الثواب، وقد تخلص إلى ثواب الشهادة إذا أحبطت ثواب ما دونها، فإنه يقول: إن المعاصي تنقص الشهادة لأنه يجعلها لا ثواب لها، وإذا جعلها كذلك فقد نقص قدرها وحط رتبتها.

فإن قال الرجل: أرأيت من قال من أصحابك هذا، لم يقل أن زيادة الإيمان زيادة ثوابه، كما قال أن نقصان الإيمان نقصان ثوابه.

قيل: بل يلزمه عند هذا، وهو أن الإيمان إذا كان لا ينقص ثوابه إلا بفعل ضده وهي المعصية التي هي من فروع الكفر، لم يرد إلا بفعل مثله وهو الطاعة، التي هي من فروع التصديق، فتزداد الطاعة المتقدمة بالطاعة المتأخرة، ويتضاعف الثواب.

فإما أن يزداد ثواب الإيمان لا بإيمان يحدث بعده، فذلك محال، كما أن نقصانه لا بخلاف إيمان يحدث بعده محال، والله أعلم وبالله التوفيق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت