وأما من قال: إن نقصان الإيمان إنما يزداد به نقصانه عن حد الكمال المبين له أو نقصانه، بالإضافة إلى ما هو أكمل منه، وإنه لا يقول: المعاصي تنقص الشهادة.
لأن معنى نقصان الإيمان عنده انقطاع أضداده عنه، فيقال: المعاصي نقصت إيمانه فعل ما تركه إلى ضده لكان ذلك إيمانًا منه، ولكثرت به أجزاء إيمانه.
فلما كان خلاف ذلك منه أنه وعالجوا الموجود من الإيمان، فكان إيمانه ناقصًا بالإضافة إلى ما كان يكون لو لم ينفرد بالإضافة إلى إيمان غيره ممن لم يجن مثل جنايته، ونقصان الإيمان من هذا القول كنقصان المال، وزيادته كزيادة المال، أو نقصانه كنقصان بعض الأعضاء وزيادته لتكامل الأعضاء، أو نقصانه كنقصان المال وزيادته كزيادة على مقداره.
قال الرجل أيضًا: فإن الزيادة في الإيمان إنما ذكرت عند زيادة الإيمان والسور، فمعناها الثبات على الإيمان والقرار عليه والصلابة فيه، لأن الآيات تظهر الحجج، وتزيل الشبهة فيزداد المؤمن بذلك قوة وثباتًا على الإيمان.
والدليل على صحة هذا التأويل قوله تعالى: {قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُواْ} .
فالذي وصفه بالزيادة في تلك الآيات وصفه بالتثبت في هذه الآية، فدل أن معناها القرآن، والقرآن عليه وكذلك ضرب الله تعالى مثل الإيمان بشجرة أصلها ثابت وفرعها في السماء وصفه بالثبات والقرار عليه، ووصف الكفر بضد ذلك فقال: {اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ} .
فيقال له: إن الإيمان الزائد للمؤمنين بنزول السور: هو أن يؤمنوا بالتأويل أولًا، فيعتقدوا أنه من عند الله تعالى، ثم أن يعملوا إن كان فيه فرض سبيله أن ينفذ.
فإن السورة التي قيل فيها: {وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ} .
هي التي قيل فيها: {وَإِذَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُواْ بِاللَّهِ وَجَاهِدُواْ مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُوْلُواْ الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُواْ ذَرْنَا نَكُنْ مَّعَ الْقَاعِدِينَ} .
فعلمنا أن قوله عز وجل: {فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا} إنما أريد به أنها إذا أنزلت بالجهاد مع رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - جاهدوا ولم يستأخروا عنه مستأذنين ولا غير مستأذنين.