ألا ترى أنه قال: {وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كَافِرُونَ} .
إنما أراد به أهل الطول من المنافقين الذين لا يكون لهم عذر مقعدهم ومع ذلك يقولون للنبي - صلى الله عليه وسلّم: {ذَرْنَا نَكُنْ مَّعَ الْقَاعِدِينَ} كل ذلك فعل يحدثونه فيحدث لهم به زيادة إيمان أو زيادة رجس، فصح أن المراد بالآية ما قلنا والله أعلم.
وأما قوله: إن المراد بالآية أن الآيات إذا أنزلت أظهرت الحجج وأزالت الشبهة، فيزاد المؤمن بذلك قوة في الإيمان!
فجوابه: أن تلك القوة ليست إلا فضل تصديق ما كان يحدث منه زيادة إيمان، فقد بينا أن كل طاعة تصديق، فليكن حدوثها زيادة إيمان، هذا ومن قوله: إن ما كان قبل نزول الآية فهو إيمان تام ولا معنى للزيادة على التمام ثم ينقصه على نفسه، ويزعم أن فضل التصديق الواقع بنزول آيات يتضمن على الحق دلالات زيادة حادثة على ما تقدم من الإيمان.
فيقال له: إما أن لا يكون الأول تامًا بالإطلاق فيكون، تعوض الزيادة، أو إن كان تامًا فقد يكون تمام فوق تمام.
فلا ينكر أن يرد عليه من الطاعات ما يزيده تمامًا وبالله التوفيق.
وكذلك ما قاله في الثبات على الإيمان لأنه إن كان أراد أن السور إذا أنزلت أراد بها نفيهم حتى يصير ذلك سببًا للثبات لولاه لكان لا يقع منهم، فهو تأويله الأول، وإذا كان كذلك، فكل طاعة تحدث فهو تصديق حادث، فوجب أن تكون زيادة إيمان وبالله التوفيق.
قال الرجل: ووجه آخر يحتمل أن يكون المراد بالإيمان نوره في القلوب، وضياؤه فيها، لا نفسه، لأن الله تعالى وصف الإيمان بالنور والضياء لقوله تعالى: {وَيُخْرِجُهُمْ مِّنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} .
وقوله: {يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُواْ نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ} .
وقال: {كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ} .
وقد سمى هو الشمس شمسًا، ونور القمر قمرًا، فلذلك يجوز أن يسمي الإيمان نورًا، فالنور لا نور له، وإنما النور البين وعندك أن الله - عز وجل - سمى الإيمان نورًا، فإذا لم يكن للنور نور، لم يكن لك أن تحمل الوارد بزيادة إيمان على النور.
فإن زعم أن الإيمان نور وأن له نورًا، لم يمكنه أن يرجع في إثبات ذلك إلى هذه الآيات، ويسأل عن نور الإيمان: الإيمان ما هو؟ فلا يمكنه أن يشير إلى معنى سوى أنه يدعو إلى الطاعات ويحول عليها، ويزجر عن المعاصي والميل إليها.