وقال أبو بكر: كان النبي - صلى الله عليه وسلّم -: «إذا أتاه فبشره خر ساجدًا» .
وجاء عن النبي - صلى الله عليه وسلّم - أنه قال: «إني لقيت جبريل عليه السلام، فبشرني، وقال: إن الله - عز وجل - يقول: من صلى عليك صلاة صليت عليه، ومن سلم عليك سلمت عليه، فسجدت لله شكرًا» .
وعن حذيفة رضي الله عنه قال: سجد رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - فقال: «إن ربي قال لي: لمن أجرتك في أمتك، وبشرني أن أول من يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفًا من كل سبعين ألف، ليس عليهم حساب.
ثم أرسل إلي ربي ادع نجب جبل يقظه.
وأنه أعطاني أني أول الأنبياء دخولًا الجنة، ولم يجعل علينا من حرج، فلم أجد شكرًا غيرهما».
وجاء عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: أقبلت إلى النبي - صلى الله عليه وسلّم - وهو قائم يصلي، ثم سجد سجدة ظننت أن نفسه قبضت فيها.
فقلت: يا رسول الله، سجدت سجدة ظننت أن نفسك قبضت فيها قال: «إني صليت ما كتب لي ربي عز وجل، فقال: يا محمد ما أفعل بأمتك؟ فقلت يا رب، أنت أعلم قال لي: إني لن أحرمك في أمتك، فسجدت لربي - عز وجل - بها شاكرًا» .
وجاء عن أبي بكر رضي الله عنه أنه قال لما بلغه فتح اليمامة وقتل مسيلمة: لعنه الله، وخر ساجدًا شكرًا لله عز وجل».
وعن علي رضي الله عنه أنه لما وجد ذا الندبة مقتولًا خر ساجدًا.
وعن كعب بن مالك رضي الله عنه أنه سجد حين أتاه البشر بالتوبة، ورمى بردائه إلى الذي جاءه.
وأيضًا فإن حدوث النعمة تقتضي الشكر، والشكر يقرب إلى الله عز وجل.
وجاء في الحديث (أقرب ما يكون العبد من ربه إذا كان ساجدًا) فاستحب أن يتقرب بالسجود إذا كانت النعمة الحادثة من غير جنس النعم الدائمة المألوفة، ليكون قد قابلها بشكر من غير جنس الشكر الدائم المألوف، والله أعلم.
والمسألة في موضعها من كتب الأحكام.
فصل: وإذا ظهر أن النعمة تقتضي الشكر، وظهرت وجوه الشكر، فمعلوم أن النعم متفاوتة في مراتبها فأولاها بالشكر نعمة الله تعالى على العبد بالإيمان، والإرشاد إلى الحق، والتوفيق لقوله، لأنه هو الغرض الذي ليس بتابع لما سواه، وكل فرض سواه، فهو تابع له، فهو ممن جاء به، وثبت عليه شكره لفقره من النعم، والتيسير له نعمة عظيمة يقتضي الشكر لها بالإنهاء على المعاصي، واتباع الإيمان حقوقه، لأن الإيمان بالله عهد بينه وبين العبد ولكل عهد وفاء.
فالوفاء بالإيمان اتباعه ما بعده.
فإن قيل: ألا قلتم أن أولي النعم أولاها بالشكر، هو الحياة ثم العقل والبيان.