فهرس الكتاب

الصفحة 824 من 1140

قيل: لأن هذه النعم كلها لتكون من المنعم عليه بها الإيمان، فصح أن أفضل النعم الإيمان، فمن شكر الله تعالى تيسيره للإيمان، فقد شكر عامة ما كان الإيمان به، فصارت هذه النعم التي ذكرتها ذا صلة في الشكر والله أعلم.

ثم إن على هذا، كل عبادة تتلو الإيمان من فعل شيء أو كف عن شيء فهو شكر لنعم الله تعالى.

ثم التيسير لها نعمة يجب شكرها بالقلب واللسان، فمن جملة شكرها الاغتباط بها، وسيأتي ذكرها في باب مفرد إن شاء الله.

فصل: ومن جملة الدلائل على ما مضى من وجوب الشكر، قول الله - عز وجل - في ذكر يوم الجمعة: {ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ} .

ومعلوم أن المسألة عن النعيم هي المسألة عن شكرها، لأن الله - عز وجل - جعل هذه الأموات وغيرها من كفايات الأبدان، وما يزيد على الكفاية مما يزاد به النعم، والتلذذ أسبابًا لقوام الأبدان، وبهجة النفوس وانبساط القلوب حتى تتأنى عبادة الله تعالى بباطن البدن وظاهره على التمام، فلا يقع من خارجة بها نجس، ولا يلحقها بسبب من الأسباب وكسر.

فصارت إذًا أعواضًا إلا أنها أعواض معجلة.

ومعلوم أنه ليس في تعجيل العوض ما يسقط الحساب عن كاهله لسببين: إنه خرج من عهده ما كان يلزمه في معاملة المقبوض، أو لم يخرج.

فصح أن كل من أنعم الله - عز وجل - عليه نعمة مما ذكرنا، فجعله بها متهيأ لنوع من العبادة التي خلقه لها، وأمره بها.

فإنه يسأله عما قابل تلك النعمة من تلك العبادة.

وأن السؤال عن ذلك حقه، إلا أن يعفو عنه وبالله التوفيق.

وقد ذهب بعض السلف إلى أن الله - عز وجل - لا يسأل العبد عما لا تقوم الأبدان بأقل منه.

وتجل ذلك عن سفيان بن عيينة زعم أن الله تعالى أسكن آدم الجنة، فقال له: {إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا وَلاَ تَعْرَى * وَأَنَّكَ لاَ تَظْمَأُ فِيهَا وَلاَ تَضْحَى} ، فكانت هذه الأشياء الأربعة ما يسد به الجوع، وما يدفع به العطش، وما يسكن له الحر والبرد، ويستر به عورته لآدم صلوات الله عليه بالإطلاق، بأن لا حساب عليه فيها، لأنه لا بد له منها.

وقد يحتمل تأييد ما قال، بأن الله - عز وجل - أباح آدم ما زاد على هذه الكفارات، فصح أنه لم يخفض أدنى الكفاية بالذكر، إلا ليؤمنه من حسناتها.

وليس هذا بالدين لما سبق ذكره، ولأن الآية يحتمل أن يكون أريد بها الامتنان على آدم بما جعل دافعًا لضروب الأذى التي لا تقوم عليها الأبدان، لأن موضع النعمة أعظم منه بما لا يكون وقاية للأبدان وإنما هو لذة ونعمة.

فذكرت هذه الأشياء لهذا لأنه لا حساب عليه بها.

ويحتمل وجهًا آخر بين هذا، وهو أن يكون المعنى: إن ذلك أن لا تتأذى بالجوع والعطش لما تحتاج من المصابرة عليها إلى أن تجد ما تدفعها عنك.

ولا مصابرة الهواء أو الحر إلى أن تجد ثوبًا تلبسه، أو مسكنًا تأوي إليه، لكن عليك في عامة هذه الأبدان مزاجة، فلا عليك منها أذى من جوع ولا عطش، ولا من عري ولا ضحي قط، ولا طرقه، فإنما ذكرت هذه الأشياء على هذا المعنى لا نيل ما ذهب إليه سفيان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت