ويدل على عظم الإثم فيه أن إيمان الزوجين إذا قذفها بالزنا لما كانت على أمر ماض، وكان أحدهما كاذبًا بيقين لم يقبل منهما الأمر بإيجاب اللعن من أحدهما والغضب من الآخر.
ليعلم أن اليمين الفاجرة لا تخلو من أحدهما ولا تجرد عنه.
وجاء عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: «اليمين الغموس تدع الديار بلاقع» وإنما سماها غموسًا لأنها تغمس الحالف في المآثم، وذلك أنها تقع بنفسها كما يعقد كذبًا، فتكون في أغلظ من أن يعقد اللبن ثم يعرض منها الكذب بعدد وبسبب حادث والله أعلم.
وأما الكذب الذي يضربه للكاذب غيره، فيجوز أن يشتمه بالباطل، ويضيف إليه ما يشبهه به، ومنه القذف بالزنا وقد شرع في الحد، أو يشهد عليه زورًا بمال أو طلاق أو عتاق، أو قتل، فيجمع ذلك ذنوبًا منها الكذب، ومنها الأضرار بالمشهود عليه، ومنها أنه نصب نفسه منصب الإمقاء، ونصبه كذلك الحاكم ثم خان.
ومنها الجرأة على الله تعالى، فإنه يشهد عند الحاكم المبعد عن الله تعالى في مجلس يمضي فيه أحكامه، ولم يوضع إلا للعدل من الناس، فإذا ظهر تزويره لحاكم فينبغي أن يجلد ظهره ويحمم وجهه، ويأمر إن يطاف به في الناس، وينادي عليه: هذا شاهد زور فاعرفوه.
وإذا صار إلى الآخرة فله من العذاب الأليم ما يستحقه إلا أن يعفو الله عنه.
وجاء عن النبي - صلى الله عليه وسلّم - أنه قال: «قد عدلت شهادة الزور الإشراك بالله ثم بلا فاجتنبوا الرجس من الأوثان، واجتنبوا قول الزور» وقال: «من شهد مشهادة استباح بها مال مسلم، وسفك دمه، فقد أوجب النار» .
وروي عن ابن عمر رضي الله عنه أنه قال: من تكلم في خصومه بما لا علم له فهو في سخط الله حتى يفزع.
وأما الملق فهو مذموم إلا في طلب العلم، لأنه جاء أنه لا حسد ولا ملق إلا في العلم، وقد تقدمت رواية بهذا الحديث، وهو من أفعال أهل الضعة والذلة، ومما يروى بفاعله ويدل على سقاطته وقلة مقدار نفسه عنده، وليس لأحد أن يهين نفسه، كما ليس لغيره أن يهينه.
ألا ترى أنه ليس لأحد أن يعير نفسه وبسبها لا صادقًا ولا كاذبًا، كما ليس لغيره أن يسبه ويعيره ويشتمه ويتناول عرضه كذلك، هذا مما يشبهه.
وجاء إذا رأيتم المداحين فاحثوا في وجوههم التراب، وذلك لأن الأغلب أنهم يكذبون فيعزرون للمدوح فإذا حثا التراب في وجهه ـ وجه المادح ـ فقد أمن أن يغيره، أنس المادح من أن يعيره.
وأما الخفض فيما لا يعني، فقد جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلّم - «أن من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» .
وقد يجمع القول والفعل ومنه ما يدخل في قوله - عز وجل - {وَإِذَا سَمِعُواْ اللَّغْوَ أَعْرَضُواْ عَنْهُ} .
وقوله - عز وجل - {وَإِذَا مَرُّواْ بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرامًا} ، وقد ذكر في بابه.