وأما كثرة الكلام وإطالته، فقد جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلّم -: «إن أبغضكم إلي الثرثارون المتفيهقون» .
وعنه - صلى الله عليه وسلّم: «أنه لعن الذين يسغفون الخطب» يدل أن المعتق في الكلام محظور.
وخطب رجل عند عمر رضي الله عنه فأكثر، فقال عمر: إن كثيرًا من الخطب من سفاسف الشيطان.
والسفسفة التي تخرج من فم العجل إذا هدر شبهًا بالزبد.
وعنه - صلى الله عليه وسلّم - أنه قال: «أن الله تعالى يبغض البليغ من الرجال الذي يتحلل بلسانه كما يحلل النافرة» .
وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: أنكم في زمان كثير علماؤه، قليل خطباؤه، كثير معطوه، قليل سؤاله، الصلاة فيه طويلة، والخطبة فيه قصيرة، وإن بعدكم زمانًا كثير خطباؤه قليل علماؤه، كثير سؤاله، قليل معطوه، الصلاة فيه قصيرة، والخطبة فيه طويلة، فاقصروا الخطب وأطيلوا الصلاة.
إن من البيان سحرًا، من يرد الآخرة قصر بالدنيا، ومن يرد الدنيا أضر بالآخرة.
يا قوم، فاقصروا بالفاني للباقي.
وجاء عنه أنه قال «الغنى من الإيمان» وهذا ـ والله أعلم ـ أن يكون غناء عن الباطل، وعما يخشى سوء عاقبته، وعن الفضل الذي لا يحتاج إليه، وهو كقوله عز وجل: {الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاَتِ الْمُؤْمِناتِ} إنما أراد الغافلات عن السوء، لا الغفلة المذمومة، وكما يروى عن النبي - صلى الله عليه وسلّم -: «أكثر أهل الجنة البله» إنما أراد الذي لا يفطن من أمور الدنيا لما يلهيه عن طاعة الله تعالى وعبادته، لا ضعف العقل الذي لا يعلم الخير كما لا يعلم الشر، ولا يميز بينهما والله أعلم.
وما يجب حفظ اللسان عنه أن يتكلم بما يضحك.
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلّم: «إن الرجل ليتكلم بالكلمة ليضحك بها من حوله» .
ومما ينبغي حفظ اللسان عنه الشعر، إلا ما كان محقًا، لأن الله - عز وجل - يقول في الشعراء: {وَالشُّعَرَآءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ * أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ * وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لاَ يَفْعَلُونَ} .
ثم إستثنى فقال: {إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُواْ اللَّهَ كَثِيرًا وَانتَصَرُواْ مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ} .
وقال: {وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِّن سَبِيلٍ} .
ولكن الأنتصار حداء.
وليس منه إذا شتم رجل أباه أو أمه، أن يشتم أبا الشاتم أو أمه، ولا إذا قال: يا زاني أن يقول: «بل أنت الزاني» ، إذا لم يكن كما يقول: وإنما الإنتصار إذا كذب وزور عليه، أن يرميه بالكذب والبهت، ويفسقه بذلك، ويهجر مذهبه، ويعجب منه، وينسبه إلى الجهل وضعف الرأي وسوء الاختيار والضعة، وقلة المروءة فيما تسو غه نفسه من الكذب، وإغفال حق الدين وما وصاه الله تعالى منه من المؤاخاة المواصلة، ويقول فيه من الشعر ما يروى.