فهرس الكتاب

الصفحة 849 من 1140

وعنه - صلى الله عليه وسلّم: «إني نهيت عن قتل المصلين» .

فأبان - صلى الله عليه وسلّم - أن لأقامة الصلاة من الأثر في إيجاب العصمة وحقن الدم ما للشهادتين فمن نزع عنه بعدما يقتله، كان كمن نزع عن الشهادتين أو إحداهما.

ومنهم من يوجد مع قطاع الطريق، ردفًا لهم لم يقتل أحدًا، ولم يأخذ ماله والدلائل التي سبق ذكرها تدل على تحريم قتله، وقتل القاطع الذي أخذ المال ولم يقتل، فلم يجز بأن يقتل واحدًا منهما والله أعلم.

وكما لا يحل قتل نفس بغير نفس، فكذلك لا يحل طرف من أطرافها أن يقطع بغير حق ولا خدش جلد، ولا نتف شعر ولا كسر عظم ولا لطم ولا ضرب بيد ولا بسوط ولا درة، ولا إدخال إيلام على نفس محرمة بغير حق، لأن ما كان كله ممنوعًا بمعنى، كان بعضه ممنوعًا بذلك المعنى، إلا أن يفرق بين الكل والبعض دليل.

ألا ترى أنه إذا لم يجز لأحد أن يتقدم دار رجل وينقضها ويحرقها، لم يجز له أن يأخذ منها حجرًا أو مدرًا أو خشبًا، أو ما قل أو كثر، وإذا لم يجز له أن يدخل حائطه فيقطع أشجاره أو يقلعها من أصولها، لم يكن له أن يأخذ منها، غصنًا صغيرًا أو كبيرًا أو ورقًا أو ثمرًا.

هذا ومعلوم أن نفس كل أحد أقرب إليه من نفس غيره، فإذا لم يكن لأحد أن يقطع من نفسه طرفًا، أو يدخل على نفسه ألمًا من غير حق، فأولى أن يكون ذلك في غيره.

والحق في القتل هو القصاص، وفي الأيدي والرجل سوى القصاص لا شيء فيه.

وأما الضرب فلا يستحق قصاصًا، ولكن للممالك أن يؤدب به مملوكًا وللزوج ذلك في زوجته وللوالد في ولده، وكل ذلك بقدر لا تحل مجاوزته فيه إلى ما يسبق، أو يذر دمًا أو يرجع وجعًا مبلغًا، وللسلطان ذلك فيمن أتى منكرًا لأحد فيه، ولا يبلغ بضرب في غير حد ضرب الحد، لأنه يروى عنه - صلى الله عليه وسلّم - أنه قال: «لعن الله من بلغ حدًا في غير حد» ـ والله أعلم ـ.

وكما لا يحل الضرب بغير حق لما فيه من الإيلام، وكذلك الحبس بغير حق حرام، لا يحل لما فيه من غم النفس وإكرابها وإدخال الأذى والضيق عليها.

وذلك نظير الضرب.

والتعزير وحبس الساعي في الأرض بالفساد إلى أن يظهر توبته، وكما لا يحل الحبس بغير حق، فكذلك النفي والإجلاء عن الوطن بغير حق لا يحل، لأنه أخو القتل وقرينه، قال الله عز وجل: {وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُواْ أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُواْ مِن دِيَارِكُمْ مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ} .

فقرن الإجلاء عن الوطن بقتل المرء نفسه.

وقال في بعض: {وَلَوْلاَ أَن كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاَءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ} .

فأخبروا أنه أسقط عنهم عذابًا عجلا كانوا يستحقونه بما كتبه عليهم من الجلاء، فثبت أن الجلاء نفسه عقوبة وعذاب، وألحق فيه الزنا بغير إحصان، قال النبي - صلى الله عليه وسلّم -: «خذوا عني، فقد جعل الله لهن سبيلًا، البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، الثيب بالثيب جلد مائة والرجم» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت