سئل النبي - صلى الله عليه وسلّم - فقال: «ما لم تصطبحوا أو تغتبقوا إنها نفلاء فشأنكم بها» .
فأبان أنهم لم يأكلوها أكل الطعام المباح فلا إثم عليهم فيها.
ولكن الطعام المباح إلا ينحر له حال الضرورة يخاف منها على النفس، لكن الواحد يصطبح بشيء، فيستغني به عما سواه إلى الليل، يريد به أن يكون أبلغ إلى حوائجه.
فإذا أمسى تناول منه ما تركه بالنهار، وإن لم تكن ضرورة شديدة.
وقد يضم إليه النفل وغيره، أما مزدادًا من الطعام، وأما مستطيبًا له.
وليس هذا سبيل الميتة، إنما إذن منها بما يمسك به الرمق، والضرورة الداعية لها، لا تتفق في وقت بعينه من صباح أو مساء، ولا تؤكل استطابة، فيضم إليها نفل أو نحوه.
فبين النبي - صلى الله عليه وسلّم - إنهم إذا لم يأكلوها كما يأكلون الطعام ولا يأثم عليهم فيها، والله أعلم.
وأما الدم، فقد كان أهل الجاهلية لا يتحاسونه، وكانوا يطبخونه فيأكلونه، يرون أنه لا فرق بينه وبين اللحم، وربما طرق المقل منهم ضيف، فينزع له عرقًا من جزور، فيأخذ دمه، ويطبخه ويقدمه إليه.
وكانوا يقولون: ما حرم من قصد له.
فلما شرع الله الشريعة الحق الدم بالأنجاس، وحرمه وجعله مماثلًا للميتة، ليس أنه كان للحم فإنما هو كميتة اللحم لا كذكيته.
ثم أن النبي - صلى الله عليه وسلّم - ، استثنى من الميتة والدم، فقال: «أحلت لي ميتتان: الحوت والجراد» .
وأما الدمان: الكبد والطحال، فإباح الكبد والطحال، لأنهما دمان جامدان مع قيام الحياة في نفس الحيوان، فهما لذلك بمنزلة اللحم.
وأباح الحوت والجراد لأنه ليس في واحد منهما دم مهدر بالريح، فكان الميت من كل واحد منهما بمنزلة البهيمة بعدما ذبحت، فسال دمها، وبقي منها جوفها والله أعلم.
وأما الخنزير فقد حرمه نصًا وسماه - عز وجل - رجسًا، والرجس أعظم النجس، فدل بذلك على غلظ تحريمه ووكادته.
وأما ما ذبح لغير الله، فهو ذبحة الوثني والمجوسي المعطل.
لأن الوثني يذبح للوثن والمجوسي للنار، والمعطل لا يعتقد شيئًا فيذبح لنفسه، وأما المسلم فإنما يذبح لله تعالى لأنه يعتقد أنه يستحله بما أحل الله له من ذبح أو نحر أو رمي أو طعن أو ضرب على حسب حال الحيوان في نفسه من أن يكون مقدورًا عليه أو خارجًا من اليد غير مقدور عليه، ويقتصر على الأصناف التي عنده.
إن الله تعالى أحلها له، كما يقتصر على الفعل الذي نرى أن الله به أحله، فيكون ذبحه أو نحره واقعًا لله تعالى.