وكذلك اليهود والنصارى يذبحان لله لأن معبودهما في أصل دينهما ليس إلا الله تعالى وإن ينحران بذبحهما.
ولو أن نصرانيًا قال: باسم المسيح أو باسم عيسى، فلا يخلو بأن يكون ذابحًا لله تعالى لأنه لا يقول هذا القول من النصارى إلا من زعم أن الله حال على المسيح ومتخذ به، وليس عيسى سواه، ولا متميزًا عنه ـ تعالى الله عن الحلول والإتحاد ـ إلا أنه يقول: لا شيء سوى عيسى فإذا كان كذلك، فهو إذا قال باسم المسيح، فإنما يخص المسيح بالتسمية لما هو مختص به عنده، واختصاصه عنده بأن الإله متحد به، فقد صار قصده إذًا من ذكر المسيح ذكر الإله، فجعل ذابحًا لله، فكذلك حلت ذبيحته، والله أعلم.
وأما المنخنقة: فهي التي تختنق بجبل قد ربطت به، حرمها الله تعالى لأنه لا فرق بينها وبين الميتة حتف أنفها وكانت الذكاة فائتة منها جميعًا.
فأما الموقوذة: فهي المكسرة بالعصا حتى ماتت.
أعلم الله تعالى أن الوقذ بالعصا لا يكون ذكاة لها، إذ كان ذلك لا يخرج منها إلا روحها الذي ليس بقذر ولا أذى وإنما الذكاة ما يخرج فيها الأذى والقذر وهو الدم، وما يجري مجراهما إذا بقي فيه بعد زوال الحياة، أداة إلى التخفيف والعصر، فحرم ما لم يكن مذكى.
وأما المتردية فهي التي تتردى، أي تسقط من مكان جبل أو سطح.
أو ما كان فيقع على الأرض فيكسر من صدمتها، فأخبر - عز وجل - أنها والموقذة بمنزلة واحدة.
ولا فرق بين أن يقبذها أو ما تقع هي عليه.
وأما النطيحة، فهي التي نطحها ذو قرن فأماتها، أو فرق حشوها.
لأنه إذا كان ذبح آدمي لا يهل به الوجه الله تعالى لا يحلها فإن خرق البهيمة حشوها، أولى أن لا يحلها.
وأما ما أكل السبع، فهو الذي يقتله السبع، فإن أدرك وهو حي فذكى حل، وإن لم يدرك حتى هلك ظل نجسًا حرامًا، لأنه لم يذكر اسم الله عليه.
فكان كذبيحة الوثني والمجوسي.
وإنما يحل ما أدرك حيًا فذكى إذا كان يعلم أنه يعلم أنه يعيش وقتًا إن خلاه السبع.
فأما إن كان خرج السبع من المتلف الوحي، وأكله، كان يضطرب اضطرب المذبوح فذكيته لا تحل والله أعلم.
وأما ما ذبح على النصب، فهو ما ذبح على وجوه الأنصاب، وهي الأوثان المنصوبة ليسجد لها، يراد به الذبح لها، كما يريد المسلم بقربانه الذبح لله تعالى.
وأما الإستقسام بالأزلام، فليس من باب الذبح في شيء، وإنما هو أن يطلب الواحد لنفسه قسمة من جذور قد يخر ولم يضربه، فتخرج له علبة، وهو الميسر الذي كانت العرب تستعمله في الجاهلية، ولا حاجة بنا إلى وصفه، والإشارة إلى جملته تكفي.
ثم قال عز وجل: {ذلِكُمْ فِسْقٌ} أي الإستقسام بالإزلام فسق.