فهرس الكتاب

الصفحة 924 من 1140

قيل له: معنى ذلك أنه لما قضى ذلك وأخبر به فهو يفعله ولا يخلف وعده لأن الكذب غير جائز عليه، فهذا معنى الإثنين لا سواه.

فأما قوله: إن من أساء إلى آخر ثم اعتذر إليه لم يذمه بعد ذلك، فهو إحالة منه على العادة، والعادة في ذلك مختلفة، لأن من الناس من يلين قلبه للمعتذر فيقبل عذره في أول وهلة، ومنهم من يزداد غيظًا به، فلا يقدر على قبول عذره.

وقد يخف الذنب فيمكن قبول العذر عن الذنب أول ما يعتذر.

وقد يغلظ الذنب فلا يمكن الإصغاء إلى المعتذر فضلًا عن قبول عذر.

ألا ترى أن رجلًا لو قتل ابن رجل أو أباه، أو أحرق داره، أو أخرب ببنائه، ثم جاء يعتذر إليه لم يلزمه أن يقبل عذره، فلا هو إن لم يصغ إليه، ولم يقبل عذره، يكون عند الناس مذمومًا.

وإذا كان كذلك، فمعلوم أن حق الله تعالى ألزم من كل حق، وانتهاك حرمته أعظم من كل ذنب.

فكيف يجوز أن يقال: ليس على الله - عز وجل - أن يقبل توبته إلا أن أخبر عن نفسه أنه يفعل ذلك، فهو إحسان منه وفضل ليس بفعل واحد والله أعلم.

ويقال له: المسيء إذا اعتذر إلى من أساء إليه أيكون عذره غير ما يقصد بإساءته إليه أو مثله.

فلا بد من أن يقول: لا هو عين ولا مثل، ولكنه إحسان في الجملة يريد أن يجعله عوضًا من الإساءة المتقدمة، فيقال له: أرأيت رجلًا أتلف لرجل عشرة دراهم ثم جاءه بعوض يساوي عشرة أو لا بسواها، وسأله أن يقبل منه ويرضي به.

أيلزمه ذلك؟ فإذا قال: لا قيل: فما أنكرت أنه إذا لطمه أو صفعه أو سبه أو شتمه أو سعى به إلى سلطان فحبس وضرب وأخذ منه مال، ثم جاءه يعتذر إليه لم يلزمه أن تقع منه المعذرة فيقبلها ويرضى عنه بها، وإن كان الإعتذار منه أمرًا مستحبًا يستحق أن يمدح لأجله.

وإذا كان هذا هكذا، وقد جعلت قبول الرب - عز وجل - توبة العبد، وإذا تاب فليس قبول الثناء إليه مغفرة السيء وحمده إياه عليها، فما أنكرت أنه ليس بواجب على الرب أن يقبل توبة العبد إذا لم يكن لديه غير الحق الذي آجل به أن جنى ما جنى ولا قبله.

وإذا كان كذلك صح أن قبول التوبة بفضل وامتنان وليس بواجب والله أعلم.

مسألة: وزعم أن الجنايات التي أخبر الله تعالى إنصاف المظلوم فيها إلى الآخرة إن عفا عنها أهلها المصابون بها، لم يسقط عن الجناية، لأنه ليس للمظلومين عنها حق واجب في الحال.

إنما يجب بعد النظر إلى الآخرة، ولا يصح العفو عما لم يجب.

قال: وليس كالدين المؤجل لأنه واجب فإنما أخر قبضه بالشرط.

ويقال له: ما أنكرت أن المجني عليه ثبت له حق بوقوع الحماية عليه، أما عاجلًا وأما آجلًا.

فإن كان آجلًا فموصول إليه هو المتأخر، وإلا فالوجوب حاصل وحكم الله - عز وجل - يوم القيامة إنما يحتاج لتعيين الواجب وإثابته فأما نفس الموجوب فهو حاصل لأن الموجوب حكم وعبادة ومحل العبادات الدار الدنيا.

فلو خلا الفعل من اعتقاد وواجب لم يتوهم أن يحدث له يوم القيامة تبعة قد خلا عند وقوعها في الدنيا.

فصح أن حقًا قد وجب للمجني عليه.

فإن عفا فقد عفا عن واجب لا كما قدر به والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت