فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
ومعلوم أن الأحاديث الصحيحة عن النبي كلها توافق هذا القول ، ومن صار من الكوفيين إلى أن يطوف أولًا ، ويسعى للعمرة ثم يطوف ثانيًا ويسعى للحج ، فتمسكوا بأثر نقلوه عن علي وابن مسعود ، وهذا إن صح لا يعارض السنة الصحيحة ؛ فإن قيل: فأبو حنيفة يرى القرآن أفضل ، ومالك يرى الإفراد أفضل ، وعلماء الحديث لا يرتابون أن النبي كان قارنًا ، فهذه المسالك كثر نزاع الناس فيها ، واضطرب عليهم ما نقل فيها وما من طائفة إلا وقد قالت فيها قولًا مرجوحًا ، والتحقيق الثابت بالأحاديث الصحيحة أن النبي لما حج بأصحابه أمرهم: أن يحلوا من إحرامهم ويجعلوها عمرة إلا من ساق الهدي فكان النبي قد ساق الهدي ، فلما لم يحل توقفوا فقال: ' لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي وجعلها عمرة ' ( 1 ) .
وكان النبي قد جمع بين العمرة والحج ، فالذي دلت عليه سنته أن من لم يسق الهدي فالتمتع أفضل له ، وأن مكن ساق الهدي فالقرآن أفضل له ، هذا إذا جمع بينهما ، في سفرة واحدة .
واما إذا سافر للحج سفرة ، وللعمرة سفرة والإفراد أفضل له ، وهذا (1) بين الأئمة الأربعة ؛ فإنهم اتفقوا على أن الإفراد أفضل لمن سافر لكل منهما سفرة ، والقرآن الذي فعله النبي كان بطواف واحد ، وسعيين واحد ، لم يقرن بطوافين ، وسغيين كما يظنه من يظنه من أصحاب أبي حنيفة ، كما أنه لم يفرد الحج كما يظنه من يظنه من أصحاب مالك والشافعي ، ولا اعتمر بعد الحج لا هو ، ولا أحد من أصحابه ، إلا عائشة رضي الله عنها لأجل عمرتها التي حاضت فيها مع أنه قد صح أنه اعتمر أربع عمر ، إحداهن في حجة الوداع ، ولا تحلل النبي من إحرامه ، كما ظنه بعض أصحاب أحمد .
ومذهبهم أن المحصر لا قضاء عليه ، وهذا أصح من قول الكوفيين ؛ فإن النبي وأصحابه صدوا عن العمرة عام الحديبية ، ثم إنه العام القابل اعتمر النبي بطائفة معه ، لم يعتمروا ، وجميع أهل الحديبية ، وكانوا أكثر من ألف وأربعمائة ، وهم الذين بايعوا تحت الشجرة ، ومنهم من مات قبل عمرة القضية .
ومذهبهم أنه لا يستحب ، بل يكره لأحد أن يحرم قبل الميقات المكاني ، والكوفيون يستحبون الإحرام قبله ، وقول أهل المدينة هو الموافق لسنة رسول الله ، وسنة خلفائه
1-متفق عليه