ورغم ما تنقله كتب التاريخ من حسن معاملة علي بن محمد الصليحي لأهل المذاهب المختلفة بما فيهم أهل السنة، وما يؤثر عنه من كريم السجايا [1] إلاَّ أن ذلك كله لا يمنع من القول بأنه كان شديد التعصب للمذهب الباطني حريصًا على نقله والدعوة إليه في الأوساط المناسبة، بل يمكن الجزم بأن كثيرًا مما أظهره من حسن النوايا مع مخالفيه من أهل السنة وغيرهم ماهو إلا تقية وحسن تدبير لأمور دولته، وهذا ما تؤكده كثير من النصوص المنقول بعضها عن مؤرخيهم، و من ذلك قول أحدهم في وصف الصليحي: (عالمًا فقيهًا في مذهب الدولة مستبصرًا في علم التأويل) [2]
وقال الهمداني: ولا يخفى أن طُلاَّب السلطة يراعون دائما جانب العامة، وهم السواد الأعظم في كل مجتمع، فيعملون لهم حساب ويتقربون إليهم بما يرضيهم، ولما كان الدين هو جامعتهم الكبرى ومن أكبر أسباب سعادتهم تمسك الصليحي بالديانة الإسلامية والمثل العليا، فكان متفقهًا في عقائد المذهب السني، وكان لا يُظهر حقيقة مذهبه إلا لمن يثق به) [3]
وهكذا بعد زوال دولة الصليحيين عادت الدعوة إلى دور السرية مجددًا، واستتر كثيرٌ من أتباعها في مناطق مختلفة من بلاد اليمن، مع استمرار الدعاة الفاطميين في الدعوة لمذهبهم، بل إن بعض مؤرخيهم ذكر أن الدعوة بعد وفاة الملكة الحرة والتي تعتبر نهاية مملكة الصليحيين في اليمن شهدت نشاطا دعويًا وفكريًا كبيرًا حيث قال: نرى أن دعوة اليمن مضت من يوم وفاة السيدة الحرة الملكة الصليحية إلى انتهاء الدولة الأيوبية في اليمن في مرحلة تمتاز بنشاط علمي، وجمع شتات التراث الفكري وتسجيله في كتب ومؤلفات, وحفظ ما تركه المؤلفون الدعاة في عهد الخلفاء الفاطميين.
وقال في موضع آخر: (واصل علماء اليمن-والكلام عن علماء الإسماعيلية-هذا النشاط
(1) الصليحيون والحركة الفاطمية-الهمداني (ص 65 - 66) .كشف أسرار الباطنية-الحمادي (ص 122) .
(2) تاريخ عمارة (ص 59)
(3) الصليحييون والحركة الفاطمية-الهمداني (ص 70) .