فهرس الكتاب

الصفحة 132 من 321

وقد جاءت الشريعة الإسلامية تذم المحتالين وتخرم حيلهم، بل إن هذا المسلك الذي يتخذه غاسلو الأموال من التستر بالوسائل المشروعة يعتبر أشنع من كونهم يتذرعون بالمسلك الثاني وهو الوسائل غير المشروعة، يقول ابن القيم: (( والطرق وسائل وهي مقصودة لغيرها، فأيُّ فرق بين التوسل إلى الحرام بطريق الاحتيال والمكر والخداع والتوسل إليه بطريق المجاهرة التي يوافق فيها السر الإعلان، والظاهر الباطن، والقصد اللفظ، بل سالك هذه الطريقة قد تكون عاقبته أسلم وخطره أقل من سالك تلك من وجوه كثيرة، كما أن سالك طريق الخداع والمكر عند الناس أمقت، وفي قلوبهم أوضع وهم عنه أشدُّ نُفرةً ممن أتى الأمر على وجهه ودخله من بابه، ولهذا قال أيوب السختياني [1] وهو من كبار التابعين وساداتهم وأئمتهم في هؤلاء"يخادعون الله كما يخادعون الصبيان: لو أتوا الأمر على وجهه كان أسهل عليهم") ) [2] .

ولذلك تظافرت أدلة الشريعة الإسلامية وقواعدها على ذمِّ هذا المسلك المشين ونعتته بأقبح النعوت، ومن ذلك:

-قال الله تعالى: چ ? ? چ چ چ چ ? ? ... ? ? ? چ [البقرة: 09] ، والآية تذم المنافقين الذين يحتالون على الناس بإظهار ما يستملح وإخفاء ما يستقبح، لأنَّ (( المخادعة هي الاحتيال والمراوغة بإظهار أمر جائز ليتوصل به إلى أمر محرم ببطنه ) ) [3] ، ولاشك أن غاسل الأموال يتذرَّع بالخداع في إظهار ما يجوز من المعاملات الشرعية وإبطان ما يحرم من مصدر تلك الأموال ... الجرمية، وفي هذا مخادعة لله تعالى، ومخادعة الله تعالى حرام، وإلاَّ لما كان المنافقون مذمومين بهذا

(1) أيوب السختياني: أيوب بن تميمة واسمه كيسان أبوبكر البصري، ولد سنة 66 هـ، رأى أنس بن مالك وروى عن عمرو بن سلمة الجرمي وحميد بن هلال، وروى عنه الأعمش ومالك وشعبة وابن إسحاق، وقال مالك: كان من العالمين العاملين الخاشعين، توفي 131 هـ، وقيل غيرها.

-تهذيب التهذيب، مرجع سابق، (1/ 348 - 349)

(2) ابن قيم الجوزية، إعلام الموقعين، مرجع سابق، ص 551

(3) ابن قيم الجوزية، إعلام الموقعين، المرجع السابق، ص 572

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت