فهرس الكتاب

الصفحة 143 من 321

ومن هنا فإنه يلاحظ أن الشريعة الإسلامية جرمت أي فعل مخالف لقواعدها وخارم لأصولها مهما كان جناية أو جنحة أو مخالفة ولم تتساهل في المال الحرام وأكله أو أخذ أموال الناس حتى ولو كانت بسيطة وتافهة.

وسواء أرتب الشارع على ارتكاب هذا المحظور عقوبة جنائية متمثلة في الحدود أو التعزيرات أو كانت جزاء مدنيا متمثلا في الفسخ أو الفساد أو البطلان ونحوه.

و مما يدل على عموم نظرة الشريعة الإسلامية لإهدار كافة عائدات الجريمة أيا كانت صغيرة وكبيرة قوله سبحانه وتعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (29) } [النساء: 29] ، والآية قد انتظمت بعمومها النهي عن أكل الأموال بالباطل، وقوله - صلى الله عليه وسلم - «مَنْ اقْتَطَعَ حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينِهِ فَقَدْ أَوْجَبَ اللَّهُ لَهُ النَّارَ وَحَرَّمَ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ وَإِنْ كَانَ شَيْئًا يَسِيرًا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ وَإِنْ قَضِيبًا مِنْ أَرَاكٍ» [1] .

ففي هذا الحديث دليل على حرمة أموال الغير ولو كانت صغيرة تافهة، وبهذا يتضح لنا أن الشَّرع الإسلامي أهدر كافَّة ما يتحصل من الحرام، ولم يفرق بين عائد الجريمة عن جناية وجنحة أو عن مخالفة.

وخلاصة القول في ختام هذا الفصل إن ظاهرة غسيل الأموال جريمة في نظر الشريعة الإسلامية لها مقوماتها التي لا مانع من الأخذ بأحسن ما توصلت إليه القوانين في هذا المضمار لكن يبقى للشريعة دورها ونظرتها الخاصة في قطع دابر هذه الجريمة، من حيث إنَّها لم تفرق في مصادر المال الحرام بين نوع ونوع، فما ثبت ضرره حرِّم بعكس القانون الذي حرَّم بعض الأنواع كالمخدرات مثلا لكنَّه أباح غيرها كاخمور مثلا، وقد تكون الثانية أخطر وأفتك. ومن هنا رأينا القانون يتخبط في تحديد ماهية المال أو عوائد

(1) رواه مسلم، كتاب الإيمان، باب وعيد من اقتطع حق مسلم بيمين فاجرة بالنار، رقم الحديث 196، مرجع سابق، (2/ 157)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت