ففي كل هذه الحالات، المال لا يمتلك لأن مصدره غير مشروع، ولكن من أراد التوبة منه، هل يردُّه على من أخذه منه وقد تراضيا على الفعل من البداية أم أنه لا يردُّه إليه؟.
اختلف فقهاء الشريعة الإسلامية في هذه المسألة إلى فريقين:
أ- الفريق الأول: ويرى أصحابه أن المال الحرام المأخوذ برضا صاحبه عن عوض ... محرَّم، لا يرد إليه في حال التحلل منه، كما لا يبقى في ملك آخذه، لأنه لا يجوز الجمع بين العوض والمعوض عنه لما في ذلك من التعاون على الإثم والعدوان، ويكون بالتالي سبيل هذا المال الحرام هو سبيل التخلص منه فقط.
وينسب هذا الرأي للأحناف والمالكية وأحد القولين عند الحنابلة [1] .
واختار هذا الرأي شيخ الإسلام ابن تيمية فقد سئل (( عن امرأة كانت مغنية واكتسبت في جهلها مالًا كثيرًا، وقد تابت وحجت إلى بيت الله تعالى، وهي محافظة على طاعة الله، فهل المال الذي اكتسبت من حلٍّ وغيره إذا أكلت وتصدقت منه تؤجر عليه؟ فأجاب: المال المكسوب إن كان عينا أو منفعة مباحة في نفسها وإنما حرمت ... بالقصد، مثل من يبيع عنبًًا لمن يتخذه خمرًا أو من يستأجر لعصر الخمر أو حملها، فهذا يفعله بالعوض، لكن لا يطيب له أكله، وأما إن كانت العين أو المنفعة محرمة كمهر البغي وثمن الخمر فهنا لا يقضي له به قبل القبض، ولو أعطاه إياه لم يحكم برده، فإن هذا معونة لهم على المعاصي، إذا جمع لهم بين العوض والمعوض ) ) [2] .
(1) ينظر:
-الشيخ نظام، الفتاوى الهندية المعروفة بالفتاوى العالمكيرية، ضبط وتصحيح عبد اللطيف حسن عبد الرَّحمن، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط 1، 2000، (2/ 261)
-ابن رشد، المقدمات الممهدات، مرجع سابق، (2/ 157)
-المرداوي، أبو الحسن على ين سليمان، الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف، تحقيق محمد حامد الفقي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان، (د. ط) ، (د. ت) ، (11/ 212)
(2) ابن تيمية، تقي الدين أحمد، مجموع الفتاوى، اعتناء وتخريج عامر الجزار وأنور الباز، دار الوفاء، المنصورة، مصر، ط 3، 2005، (29/ 169 - 170)