ونقل صاحب الفتاوى الهندية في معرض حديثه عن هديَّة ملكِ أَهل الحرب يبعثها إلى أَمير جيش المسلِمين نقل عن محمَّد بن الحسن الشيباني [1] أن العاملٍ من عمَّال الخلِيفَة إذا بعثه الخليفة على عمل فأهدي إليه شيء فإنه يوضع في بيت المال إذا كانت هذه الهدية بطيب نفس صاحبها [2] .
واستدل أصحاب هذا الرأي بما صحَّ عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه استعمل رجلا من الأزد يقال له ابن الأُتبيَّة على الصدقة فلما قدم قال هذا لكم وهذا أهدي لي قال «فَهَلَّا جَلَسَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ أَوْ بَيْتِ أُمِّهِ فَيَنْظُرَ يُهْدَى لَهُ أَمْ لَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يَأْخُذُ أَحَدٌ مِنْهُ شَيْئًا إِلَّا جَاءَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَحْمِلُهُ عَلَى رَقَبَتِهِ إِنْ كَانَ بَعِيرًا لَهُ رُغَاءٌ أَوْ بَقَرَةً لَهَا خُوَارٌ أَوْ شَاةً تَيْعَرُ» ثم رفع بيده حتى رأينا عُفرة إبطيه «اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ ثَلَاثًا» [3] .
ووجه الدلالة من هذا الحديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يأمره بردٍّ الهدايا- وهي رشاوى أو غلول - إلى من أخذها منهم، كما لم يقرَّه عليها، فدلَّ هذا على أنها لم تدخل في ملك أصحابها بل تؤول إلى بيت مال المسلمين [4] .
ب- الفريق الثاني: ويرى أصحابه أن المال الحرام المأخوذ برضا صاحبه يُردُّ إليه، ولا يؤول إلى بيت المال إلا إذا تعذر ردُّه إلى مالكه.
(1) محمَّد بن الحسن الشيباني، صاحب أبي حنيفة، ولد سنة 129 هـ، تفقه بأبي حنيفة ثم لازم أبا يوسف حتى برع في الفقه واللغة، له تصانيف منها: السير الكبير والجامع الصغير، توفي سنة 189 هـ.
-ابن أبي الوفاء، الجواهر المضية في طبقات الحنفية، مرجع سابق، (3/ 122 - 127)
(2) الشيخ نظام، الفتاوى الهندية المعروفة بالفتاوى العالمكيرية، مرجع سابق، (2/ 261)
(3) رواه البخاري، كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها، باب من لم يقبل الهدية لعلة، رقم الحديث 2597، مرجع سابق، (5/ 260)
(4) الباز، أحكام المال الحرام، مرجع سابق، ص 346