فقلت: واعجبًا! من المتصدين للفتوى الذين لا يعرفون أصول الشريعة ... )) [1] .
وواضح من كلامه - رحمه الله- أنه كان يعني فئة تلطخت أيديها بالمال الحرام، ثم غرَّر بهم بعض المفتين الجهَّال بجواز غسل أموالهم ببنائهم المساجد والأربطة، وبالتالي يزول عنهم العنت والإثم وكأنَّ شيئا لم يحدث.
بالإضافة إلى ما سبق فإن مضمون مصطلح غسيل الأموال من حيث هو إخفاء الأموال غير الشرعية وصبغها بصبغة شرعية يخيل للناظر إليها أنها أموال طاهرة مشروعة.
هذا المضمون عرفه الفقهاء قديما من خلال حديثهم عن المكاسب المحرمة والتصرف فيها سواء بإخفاء مصدرها أواستعمالها أواستغلالها.
وكأمثلة على ذلك فقد تعرضوا في عدة أبواب لهذه المسألة منها [2] :
-في أبواب العبادات كالطهارة بالماء المغصوب والصلاة في الأراضي المغصوبة وبناء المساجد بالأموال المحرمة وإخراج الزكاة من مال حرام والحج بمال حرام ... ونحوها، فهذه أعمال مشروعة لكنها تمت بوسيلة محرمة شرعا.
-في أبواب المعاملات كالتصرف في الأموال الربوية وأحكام المغصوب وتوريث المال الحرام ونحو ذلك.
-في أبواب الجنايات كالمال المغصوب وكسب البغي وكسب آلات الطرب والتجارة بالخمور ونحوها.
-في أبواب الجهاد كالغلول في الغنيمة ويقابله اختلاس للأموال العمومية في عصرنا الحالي.
ومن هنا فإنَّ الشَّريعة الإسلامية تمتاز بحيوية وحركية تشمل الزمان والمكان لما اختصت به من قواعد وضوابط اجتهادية تجعل منها تلبي حاجات كل عصر ومصر.
(1) ابن الجوزي، جمال الدين أبو الفرج، صيد الخاطر، دار الكتب العلمية، بيروت، ط 1،1992، ص 365
(2) عطية فياض، جريمة غسل الأموال في الفقه الإسلامي، دار النشر للجامعات، مصر، ط 1،2004، ص 25 - 26