جـ - لو كانت النداوة مقصودة بالذات، لفهم ذلك السلف الصالح ولعلموا بمقتضاه، ولوضعوا الجريد والآس ونحو ذلك على القبور عند زيارتها، ولو فعلوا لاشتهر ذلك عنهم، ثم نقله الثقات إلينا، لأنه من التي تلفت النظر، وتستدعى الدواعي نقله، فإذ لم ينقل دل على أنه لم يقع، وأن التقرب به إلى الله بدعة، فثبت المراد، وإذا تبين هذا، سهل حينئذ فهم بطلان ذلك القياس الهزيل الذي نقله السيوطي في"شرح الصدور"عمن لم يسمه:"فإذا خفف عنهما بتسبيح الجريدة، فكيف بقراءة المؤمن القرآن؟! قال: وهذا الحديث أصل في غرس الأشجار عند القبور". قلت: فيقال له: أثبت العرش ثم انقش، وهل يستقيم الظل والعود أعوج؟! ولو كان هذا القياس صحيحا لبادر إليه السلف، لأنهم أحرص على الخير منا، فدل ما تقدم على أن وضع الجريد على القبر خاص به صلى الله عليه وسلم، وأن السر في تخفيف العذاب عن القبرين لم يكن في نداوة العسيب بل في شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم ودعائه لهما، وهذا مما لا يمكن وقوعه مرة أخرى بعد انتقاله صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى، ولا لغيره من بعده صلى الله عليه وسلم، لأن الاطلاع على عذاب القبر من خصوصياته عليه الصلاة والسلام"."