أولًا: ارتياب بعض صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم من التطهر بماء البحر لما رأوا تغيره في اللون وملوحة الطعم حتى سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم واستفتوه عن جواز التطهر بماؤه.
ثانيًا: أنه يجب على كل أحد أن يسأل أهل العلم عما لا يعلمه أو يتردد فيه.
ثالثًا: فيه أن العالم والمفتي إذا سئل عن شيء وهو يعلم أن بالسائل حاجة إلى معرفة ما وراءه من الأمور التي يتضمنها مسألته أو تتصل بمسألته
كان مستحبا له تعليمه إياه والزيادة في الجواب عن مسألته ولم يكن ذلك عدوانا في القول ولا تكلفا لما لا يَعني من الكلام، ألا تراهم سألوه عن ماء البحر فحسب، فأجابهم عن مائه وعن طعامه لعلمه بأنه قد يعوزهم الزاد في البحر كما يعوزهم الماء العذب، فلما جمعتهما الحاجة منهم انتظمهما الجواب منه لهم.
رابعًا: لما رأى النبي صلى الله عليه وسلم حال السائل وأنه يجهل أن البحر طهور، وهو مستفيض عند الخاصة والعامة، فَلَإِن يكون حالُ السائل عدم علمه بحل ميتة البحر أكثر مما جهله من طهارة ماؤه، فلما رأى السائل جاهلا بأظهر الأمرين غير مستبين للحكم فيه علم أن أخفاهما أولاهما بالبيان، ونظير هذا قوله للرجل الذي أساء الصلاة بحضرته فقال له صل فإنك لم تصل فأعادها ثلاثا كل ذلك يأمره بإعادة الصلاة إلى أن سأله الرجل أن يعلمه الصلاة فابتدأ فعلمه الطهارة ثم علمه الصلاة وذلك - والله أعلم - لأن الصلاة شيء ظاهر تشتهره الأبصار، والطهارة أمر يستخلي به الناس في ستر وخفاء فلما رآه صلى الله عليه وسلم جاهلا بالصلاة حمل أمره على الجهل بأمر الطهارة فعلمه إياها.