فهرس الكتاب
وكان لا بد لبلوغ هذه الأهداف من إحداث انقلاب جذري في حياة المسلمين يصادم المنهاج الإسلامي في جملته الأَسَاسيَّة بحراسة الجيوش المستعمرة وعلى يد من ربتهم على منهاجها من أهل البلاد.
بدأ احتكاك المجتمع الإسلامي المنحرف عن الإسلام بالمجتمع الغَرْبيّ الشارد عن الدين في القرن التاسع عشر الميلادي، ومنذ اللحظة الأولى أحسّ الغَرْب- المغرور بتقدمه المادي- بتفوقه الاجتماعي على العالم الإسلامي الذي لا شك أنه كان لديه من الفضائل ما يفتقده الغَرْب، لكنَّ نظرة الغالب إلى المغلوب لا تسمح بالرؤية الصَحِيْحة عادة لا سيما والروح الصليبية الحاقدة كانت من ورائها. وبالمقابل أحسّ المجتمع الإسلامي بالانبهار القاتل واستشعر النقص المرير ولم يتردد الغَرْبيّون في القول بأن سبب تخلف المسلمين هو الإسلام [1] ، وهكذا كان الطريق مفتوحًا لمهاجمة القيم الإسْلاميَّة وتدمير مقومات المجتمع من خلال مهاجمة ذلك الواقع المتخلف الذي لا يمثل الإسلام، وكان النموذج الغَرْبيّ المشاهد الذي فصل الأخلاق عن الدين يزيد الأمر قوة ووضوحًا.
وقد جهد الاحتلال الأجنبي بشتى الطرق حتى تمكن من تحطيم مظلة الأعراف الأخلاقية في المجتمعات الإسْلاميَّة، فانطلقت تسري في أوصالها كل موبقات الحَضَارَة الأوروبية حتى وصلت في ظلّ الاحتلال إلى مرحلة الشيوع، ثم إلى مرتبة الاستقرار والاستحسان ثم إلى درجة الشَّرْعية التي تحملها القوانين الوافدة. ودخل في روع المغلوبين أنّ الانحلال والفساد هي من ضرورات التحضر والمَدَنيَّة في جوانبها الصَحِيْحة [2] .
وقد ظهر هذا الانحلال في البداية في السلوك الفردي، فانحرف الناس عن نهج الدين واستهوتهم مظاهر الحياة الغَرْبيّة، فأقبل كثير منهم على الخمور والفجور والقمار والرِّبَا ونحو ذلك، ثمّ دبّ دبيب التهاون في الدين فتناول العبادات والعقائد وغيرها من أنواع الانحلال، فتكاسل الناس عن أداء العبادات وانتشرت في الجو ضروب من الفلسفة والمذاهب الضالة، واستمالت الشباب وغير الشباب وصارت العلاقة الجنسية والنزعة الإباحية الشغل الشاغل للسينما [3] وكثير من المجلات والصحف ابتغاء
(1) انظر: ... رأي كرومر في الإسلام في كتاب الاتجاهات الوطنية، ص (259 - 262) ومن آرائه: «إن الإسلام ناجح
كعقيدة ودين، ولكنه فاشل كنظام اجتماعي، فقد وضعت قوانينه لتناسب الجزيرة العربية في القرن السابع الميلادي- ولكنه مع ذلك أبدي لا يسمح بالمرونة الكافية لمواجهة تطور المجتمع الإنساني».
(2) فتح الله، د. عبد الستار فتح الله سعيد: الغزو الفِكْري والتيارات المعادية، ص (63) .
(3) افتتحت السينما الأولى بالقاهرة سنة 1896 م ثمّ انتشرت في العالم الإسلامي، ومن الجدير بالذكر أن يهود هيمنوا على الأوساط الفنية في مصر منذ زمن بعيد، فعائلة موصيري هي التي أسست شركة السينما عام 1915 م.
انظر: ... 1 - حمودة، معالي عبد الحميد، الإسلام والحركات الهدّامة، ص (39) .
2 -محمد المصري، حاضر العالم الإسلامي، ص (176) .