فهرس الكتاب
فالتحرر الوجداني كما يراد به عند سَيِّد قطب اعتناق العقيدة الإسْلاميَّة اعتناقًا يبعث في نفوس مصدقيها استعلاءً على متطلبات الجسد من الرغبات والشهوات لأن الإيمان يجعل المرء يعتنق تصورًا خاصًا عن الكون والإنسان والحياة مؤداه التخلص من عبادة أحد غير الله ومن الخضوع لأحد غير الله من أجل تقوية الصلة بالله وإشعار الفرد أنه يملك الاستعانة بالله دون أن يتأثر بشعور القيم الاجْتِمَاعِيَّة من المال أو الجاه أو الحب والنسب أو يستذل للذات والشهوات والمطامع والأهواء.
وهكذا يكون التحرر الوجداني عند سَيِّد قطب: «تحررًا مطلقًا لا يقوم على المعنويات وحدها ولا على الاقتصاديات وحدها ولكن يقوم عليهما جميعًا فيعرف للحياة واقعها وللنفس طاقتها ويستثير في الطبيعة البشرية غاية أشواقها وأعلى طاقتها ويدفع بها إلى التحرر الوجداني كاملًا صريحًا وبغير التحرر الكامل لن تقوى على عوامل الضعف والخضوع والعبودية ولن تتطلب نصيبها من العَدالَة الاجْتِمَاعِيَّة، ولن تصبر على تكاليف العَدالَة حين تعطاها» [1] .
ولهذا أولى سَيِّد قطب التحرر الوجداني أهمية قصوى في مجال تحقيق العَدالَة الاجْتِمَاعِيَّة في الإسلام فجعله الركن الأول الذي تقوم عليه الأركان والأساس الذي ترتكز عليه الأسس كلها.
2 -المساواة الإنسانية:
«إذا استشعر الضمير كل هذا التحرر الوجداني، فخلص من كل ظل للعبودية إلا لله وأمن الموت والأذى والفقر والذّل إلا بإذن الله، وانفلت من ضغط القيم الاجْتِمَاعِيَّة والمالية، ونجا من ذل الحاجة والمسألة، وتسامى على شهواته ومطامعه وتوجه إلى الخالق الواحد بلا استثناء ولا استعلاء، ووجد بعد ذلك كله كفايته من ضرورات الحياة مكفولة له بحكم التشريع والنظام ... فلن يكون في حاجة لمن يهتف له بالمساواة لفظًا، وقد استشعرها في أعماقه معنى ووجودها في حياته واقعًا» [2] .
وحسب هذا الفهم تنبني المساواة الإنسانية على التحرر الوجداني، «فبعد أن أقرّ الإسلام-حسب تصوره رحمه الله- التحرر الوجداني، أسس للمساواة باللفظ والنّص والقانون، ليكون كل شيء واضحًا مقررًا منطوقًا، فمنع بذلك خرافة التعالي الكاذب، حيث كان بعضهم يدعى أنه من نسل الآلهة، وبعضهم يروج بأن الدماء التي تجري في عروقه ليست من نوع دماء العامة، وإنما هو الدم الملوكي العالي النَّبِيّل، وقد ولغت في ذلك بعض الملل والنِحل، حيث كان منهم من فرق الشعوب إلى طبقات، خُلق بعضها من رأس الآلهة فهي طبقة مقدسة، لا يرقى أحد إليها، وخلق بعضها من قدميه، فهي
(1) قطب، سَيِّد: العَدالَة الاجْتِمَاعِيَّة في الإسلام، ص (54) .
(2) قطب، سَيِّد: العَدالَة الاجْتِمَاعِيَّة في الإسلام، ص (55) .