فهرس الكتاب

الصفحة 219 من 633

وعلى ضوء هذين الموجهين وضع الغَزَالي معالم أخرى في كيفية فهم الإسلام منها التفريق بين النُّصُوص الشَّرْعية، والتي جعلها تنقسم إلى قسمين: قسم ثابت في ذاته وفي الواقع الذي يعالجه، مثل نصوص العقائد والعبادات، إذ ليس هناك ما يدعو لتجددها وتطورها، ولذلك ألزم نفسه بظواهر النُّصُوص ومنع من مخالفتها أو الخروج عليها وأوجب مراعاتها لأن أمور العقيدة والعبادات دينية محضة. وقسم آخر غير ثابت ولا محدد، بل ورد على نحو إطار عام فقط مثل الأمور المتعلقة بالمعاملات والنظم والتي لا ضرورة لمراعاة النُّصُوص فيها، إذ أنها متطورة ومتغيرة تبعًا لتغير الظروف والإعصار وتبعًا لتبدل مصالح الناس ولأنها دنيوية والناس أعلم بأمورها، وأن الله تعالى أدارها مع مصالح الناس وأعرافهم.

وفي ذلك يقول: «إن الصراط المستقيم الذي ضمن الله للسائرين فيه أن لا يضلوا ولا يشقوا، تتضح معالمه من موجهين متمايزين: أولهما إرشاد الوحي الأعلى وهو ما انفردنا به نحن المسلمين بنصوصه في الكتاب الكريم والسنّة المطهرة ... إنّ هذا الإرشاد السماوي كما أسلفنا إذا كان عنى بالدقيق والجليل في شؤون العبادات فهو في شؤون المعاملات يهتم بالأصول وينيط أمور الناس-بعد- بالمصلحة العامة» [1] .

ويقول: «فإذا وجدنا معاملة من المعاملات، أو عقد من العقود ... ليس للشرع حكم فيه بالنهي والتحريم نصًّا، وليس في قواعد الشَّرِيعَة المحكمة تعرض له، فإننا نحكم بصحته اعتمادًا على أنه مما عفا الله عنه بالسكوت ... وهذا الشأن غير شأن العبادات» [2] .

ويقول: «إنّ النّص لا مكان معه لحرية الأخذ والرّد ... أما مضمار الاستصلاح ونشدان النفع المطلق في الميادين السِّيَاسِيَّة والاقتصادية وأنواع المعاملات الأخرى، فإن العقل الإنساني قد أسهم ولا يزال يسهم فيه بحظ وافر، وعلينا نحن المسلمين أن نحصد مع الحاصدين، أينع ما أنتجه الاجتهاد الحر في هذه الحقول كلّها» [3] .

وبهذا تتمثل دعوة الشيخ الغَزَالي إلى ما يسميه الاجتهاد الحر فيما هو خارج عن نطاق العبادات والعقائد.

وعليه، فإن المصلحة هي المصدر الذي يستنبط به الأحكام الشَّرْعية للقضايا المعاصرة وعلى ضوئها يتعامل مع التراث الفِكْري الإسلامي، بل جعلها المقياس لكل اجتهاد فقهي، بل تجاوز ذلك

(1) الغَزَالي، الشيخ محمد: كيف نفهم الإسلام، (207 - 208) .

(2) الغَزَالي، الشيخ محمد: كيف نفهم الإسلام، (208 - 209) .

(3) الغَزَالي، الشيخ محمد: كيف نفهم الإسلام، (212) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت