3.تقييد استخلاف الله للإنسان، فالاستخلاف الإلهي ليس استخلافًا مطلقًا من دون قيد بل بقيود حددّت مدى هذا الاستخلاف ووضّحت طريقة الانتفاع والتمتع بما سخره الله تعالى في هذا الكون «تقدمة لمصالحهم و أهبة لسد مفاقرهم» [1] ولو أن الله أباح لهم ما في الأرض جميعًا من دون قيد ولا حد ولا نظام لأدى الأمر بالغرائز الجامحة إلى التسلط والقهر والغلبة وإلى الفوضى والمنازعات وأكل القوي الضعيف، لهذا فهم ليسوا أحرارًا في التّصرف فيما استخلفوا فيه يفعلون كما يحلو لهم، بل هم مخلوقون لغاية أساسية وهي عبادة الله تعالى، وعبادته تقتضي إتباع أوامره، والابتعاد عن نواهيه، فإن لم يفعلوا ذلك فقد أخلّوا بشرط الاستخلاف لهذه الأرض.
قَالَ سَيِّد قطب: «ليست ملكية أصلية يتصرف فيها على هواه إنما هي ملكية معارة له خاضعة لشروط التَّمَلُّك الأصلي وتعليماته، فإذا تصرف المستعير فيها تصرفًا مخالفًا لشروط المالك وقع هذا التصرف باطلًا وتحتم على المؤمنين رده في الدنيا، أما في الآخرة فهو محاسب على باطله ومخالفته لشرط المملك الأصلي وبالقدر الذي يلتزم به الناس بما وضع الله سبحانه وتعالى من القواعد الناظمة للملكية من حيث نشأتها أو حصولها، ومن حيث نقلها إلى يد أخرى يكون حسابهم يوم القيامة سهلًا حيث يسألون في ذلك اليوم عن المال من أين اكتسبوه وفيما أنفقوه» [2] .
وقد بيّن صلى الله عليه وسلّم هذا المعنى في حديثه حيث قَالَ: «لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن أربع: عن عمره فيمَ أفناه، وعن شبابه فيمَ أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيمَ أنفقه، وعن علمه ماذا عمل فيه» [3] .
وإذا كان ما في الكون مملوك لله تعالى فهو التكييف الشَّرْعي لاختصاص الإنسان بالأشياء من أجل الانتفاع بها؟
(1) ابن العربي، أبو بكر محمد عبد الله: أحكام القرآن، (1/ 14 - 15) .
(2) قطب، سَيِّد: في ظلال القرآن، (5/ 119) و (6/ 886) . وانظر:
1 -... الخفيف، علي: المِلْكِيَّة ... في الشَّرِيعَة الإسْلاميَّة، (1/ 411) .
2 -... الدريني، د. فتحي: الحق ومدى سلطان الدَّوْلَةفي تقييده، ص (163) .
(3) رواه التِّرْمِذِي وصححه الألباني في صَحِيْح الجامع رقم (7300) ، والمعجم الأوسط (5/ 74) . شرح سُنَن ابن ماجه (1/ 171) عن ابي الدرداء.