فهرس الكتاب
أما التشريع السماوي فهو تشريع وضعه للناس ربّ العالمين وهو سبحانه محيط بكل وأدق شؤون عباده لا تخفى عليه خافية.
فالقانون السماوي ليس عرضة للتبديل وليس ناقصًا حتى يحتاج إلى التكميل، بل هو أصول وقواعد في كلّ شؤون الحياة العامة وفيه بعض الفروع والجزئيات التي يتاح الاجتهاد فيها لفقهاء المسلمين حسب الأصول المقررة كما يجعل الاجتهاد الباب مفتوحًا لحل مستجدات المسائل بمقتضى دور الزمن وتطور الحياة وهكذا يصح أن توصف الشَّرِيعَة الإسْلاميَّة بالمرونة باستيعاب تطور الحياة والصلاحية لكل زمان ومكان وبأحكام ثابتة راسخة.
«فللقانون الإسلامي هدف واضح وغاية إليها ينتهي الإنسان في الحياة هي تعبيده لخالقه وتحريره من كل عبودية أخرى وهو أيضًا يكرس في نفس الإنسان أَنّ جزاءً أُخرويًا عادلًا يترتب على أفعاله في الحياة على غير ما عليه القانون الوضعي، فإنّ الفرد لا يشعر في ظلّه بغير أنه مقيّد بقيود السلطة التي لا غاية محددة لها مما يدفع الإنسان إلى العمل على القفز فوق هذه القوانين ومقاومتها لإسقاطها فالإنسان في ظلّ هذه القوانين يظل يعاني محنة الضياع وغموض الهدف في الحياة ولا يجد معنى للالتزام بالقانون، لأن القانون الوضعي لا يستطيع السير مع غايات النفس، فلذلك كان الإنسان الواقع في دائرة هذا القانون إنسانًا لا يحترم القانون ولا يقدس إرادته، بل يتحين الفرص للتخلص منه كلما غفلت عنه الرقابة والسلطة أو أحسّ بتفاهة القانون وضياع المعنى في الطاعة» [1] .
ويدعم هذه الحقيقة ما تشير إليه دوائر الإحصاء المختصة بمتابعة الجريمة وحوادث الجنوح والخروج على القانون، فهي تؤكد تزايد الجرائم والحوادث والمخالفات. وتسجل مع مرور الأعوام نسبًا تصاعديّة تُعبِّر عن فشل الأنظمة الوضعية وعجزها عن استيعاب مشكلات الإنسان، وكسب طاعته واحترامه.
بعكس القانون الإسلامي، فإنه يشجع الإنسان على التطبيق والدفاع عن إرادة التشريع وأهداف الشَّرِيعَة، لأن الفرد في ظلّ القانون الإسلامي يشعر بحماية القانون لمصالح الإنسان ورعايته لأهدافه وغاياته في دنياه وآخرته ومن هذا المنطلق يجئ سفور الإنسان المؤمن بمسؤوليته أمام خالقه عن تطبيق القانون وتنفيذ مقرراته.
(1) الفقيه، محمد جواد: الإنسان والدين، ص (161 - 163) .