فهرس الكتاب
معتقدات، شريطة عدم إضرارها بالآخرين، وقد أكدّ «جون ستيوارت ميل» [1] هذا المعنى بقوله: «فمهما كان اعتقاد الشخص راسخًا في كذب رأي ما، بل وفي ضرر نتائجه- بل وفي فساده أخلاقيًا وإلحاده ... فإنه مع ذلك يدعي العصمة إذا حال دون الاستمتاع إلى ما يقَال في الدفاع عن الرَأْي، حتى لو كان مؤيدًا من الرَأْي العام في بلده أو في عصره.
ومن هذا المنطلق، تصبح الحرِّيَّة السِّيَاسِيَّة وسيلة، يتمكن بها المرء من إبراز حقوقه السِّيَاسِيَّة والفِكْرية في مواجهة النِّظَام والحدّ من سلطة الحاكم، عن طريق السماح بإبراز رأي الأفراد مطلقًا وتكوين الأحزاب والنقابات.
أضف إلى ذلك، إنّ الحرِّيَّة السِّيَاسِيَّة في الفِكْر الغَرْبيّ مستمدة من كون الشعب مصدر السلطات، وصاحب السيادة، ولذلك لا يفرق الكتاب الغَرْبيّون، بين الحقوق السِّيَاسِيَّة الناجمة عن الاشتراك في الجماعة، مثل حق الانتخاب، والتصويت وبين الحرِّيَّة السِّيَاسِيَّة لأن مصدر الحقوق ومصدر الحرِّيَّة واحد وهو سيادة الشعب، فالشعب هو الذي يحدد الحقوق والواجبات، والحريات الممنوحة للأفراد والسلطة المخولة للحكام [2] . ولذلك ترتبط الحرِّيَّة السِّيَاسِيَّة في الفِكْر الغَرْبيّ بعدة حقوق، منها: حق المساهمة في السيادة الشَّعْبِية، وهي تنطلق من إرادة الشعب مصدر سلطة الحكومة، والتي تجعل لكافة المواطنين الحق في الإسهام في إدارة شؤون الدَّوْلَة وتقلد المناصب، بصرف النظر عن الدين أو اللون أو الجنس كما ترتبط، كذلك بحق التصويت ومنها التصويت على القوانين تعبيرًا عن الإرادة العامة، التي تقتضي أخذ رأي الشعب في تعديل القوانين القائمة، أو وضع قوانين جديدة [3] .
ومن هذا العرض لمصدر الحقوق السِّيَاسِيَّة في الغَرْب، يتبين خطأ جعل الحرِّيَّة السِّيَاسِيَّة قاعدة يُبنى عليها السلوك السياسي في الدَّوْلَة الإسْلاميَّة.
فالسيادة في الدَّوْلَةالإسْلاميَّة بيد الشَّرْع، والشعب ليس في يده صلاحية إقرار الحقوق والواجبات لأنها مقررة شرعًا كما أنّ استعارة مفهوم الحرِّيَّة السِّيَاسِيَّة الغَرْبيّ يؤدي إلى خلط في المفاهيم، حيث حدد الإسلام أطرًا شرعية لممارسة الحقوق السابقة، كالبيعة الشَّرْعية مثلًا في حق اختيار الحاكم كما أوجب الإسلام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وبذلك ربط بين حق إبداء الرَأْي وبين
(1) سبق التعريف به، ص .
(2) عبد الله، عبد الحكيم حسن محمد: الحريات العامة في الفِكْر والنِّظَام السياسي في الإسلام، دراسة ومقارنة، ص (115) .
(3) رباط، د. أدمون: الوسيط في القانون الدستوري العام، ص (233 - 245) .