فهرس الكتاب

الصفحة 594 من 633

ما يجب على المسلم القيام به حين يستشعر قيام أمر مخالف للشرع، مما يؤكد المسؤولية الفردية، ويدعم المواقف الفردية والجماعية المتصدية للانحراف عن المنهج الشَّرْعي.

وبناءً على ذلك ميز الإسلام في حقوق تولي المناصب السِّيَاسِيَّة والأعمال السِّيَاسِيَّة، بين الأفراد بقدر التزامهم بالعقائد وبالأحكام الشَّرْعية.

ومن هنا لا يجيز الإسلام تولية الكافر أو المسلم الفاسق الإمارة، كما جعل الشورى حقًا للمسلمين دون غيرهم، لارتباط هذه الممارسة السِّيَاسِيَّة بالعقيدة الإسْلاميَّة، وأجاز سماع رأي غير المسلمين، من رعايا الدَّوْلَةلدفع أي مظلمة تقع عليهم.

ومن هذا المنطلق يتضح أن إبداء الرَأْي ليس منطلقًا من حرية فردية تدفع المرء إلى تبنيه أو رفضه، لكونه مرتبطًا بالشَّرْع الموجب للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولعل هذا يفسر جرأة الصحابة رضوان الله عليهم على قول الحق دون تحفظ، حيث استوعب الصحابة الإطار الشَّرْعي، المنظم لإبداء الرَأْي في حدود واجب الأمر بالمعروف والمناصحة للحكام، واتخذوه منهجًا، ووسيلة، لتقويم الحاكم، والمحافظة على القيم الإسْلاميَّة، والأحكام الإسْلاميَّة، مطبقة في واقع الحياة، ولقد أكد الصحابة رضوان الله عليهم هذا المعنى، فقد جاء عن أبي بكر رضي الله عنه قوله في أول خطبة له بعد توليه الخلافة: «يا أيها الناس، إنما أنا مثلكم، وإني لا أدري لعلكم ستكلفونني ما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يطيق، إنّ الله اصطفى محمدًا على العالمين وعصمه من الآفات، وإنما أنا متبع ولست بميتدع، فإن استقمت فاتبعوني، وإن زغت فقوموني» [1] .

لقد كان الصحابة رضوان الله عليهم، يدركون حدود الشَّرْع المنظم لامر الدَّوْلَةالذي دفع أبا بكر رضي الله عنه إلى قوله: «إنما أنا مثلكم» وإلى طلبه من الصحابة أن «يطيعوه» إن هو التزم الشَّرْع منهجاُ، وأن «يقوموه» إن زاغ عنه لتتحقق سيادة الشَّرْع على الحاكم والمحكوم.

ومن الأمور الدالة على أن إبداء الرَأْي مرتبط بالإطار الشَّرْعي، ما ذكره الطَّبَري من أن عمر رضي الله عنه قَالَ للصحابة يومًا:

«أما والله لوددت أني وإياكم في سفينة في لجة البحر، تذهب بنا شرقًا وغربًا، فلن يعجز الناس أن يولوا رجلًا منهم، فإن استقام اتبعوه، وإن جنف قتلوه، فقَالَ طلحة، وما عليك لو قلت إن يعوج عزلوه، فقَالَ لا، القتل أنكى لمن بعده» [2] .

(1) الطَّبَري، محمد بن جرير: تاريخ الأمم والملوك، ص (224 - 245) .

(2) الطَّبَري، محمد بن جرير: تاريخ الأمم والملوك، (572) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت