فهرس الكتاب

الصفحة 595 من 633

يتضح من ذلك، أن الصحابة رضوان الله عليهم، عرفوا حق الأمّة في اختيار الإمام وتوليه المنصب ومراقبته ومحاسبته وفقًا للإطار الشَّرْعي المنظم لذلك، استجابة للشرع، المؤكد على ضرورة المناصحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولذلك لا يجوز الربط بين إبداء الرَأْي في الإسلام «والحرِّيَّة» التي قد تدفع المرء إلى قول الحق أو عدمه، وإلى تبني الخير أو رفضه، من منطلقات فردية مصلحية.

ويؤكد هذا المعنى أن الإسلام لم يأتِ مطلقًا بحكم «الحرِّيَّة السِّيَاسِيَّة» وإنما أتى بأحكام ثابتة كالوجوب، والحرمة، والندب والإباحة تتعلق بالأطر والممارسات السِّيَاسِيَّة في المجتمع الإسلامي.

والأصل في الأفعال أنّها مقيدة بالشَّرْع، قَالَ تعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [1]

ولذلك فابدأ الرَأْي الذي أباحه الشَّرْع مقيد بالأطر الشَّرْعية التي وضعها الإسلام، والتي لا يجوز للمسلم تجاوزها، وعليه فالحرِّيَّة السِّيَاسِيَّة التي تبيح للمرء من منطلق الحرِّيَّة الشخصية، إبداء رأيه وفق معتقداته الذاتية، مرفوض أصلًا لكن الإنسان في الإسلام مقيد بالشَّرِيعَة، ولا يسمح له مطلقًا بالمناداة بآراء كفر، كالشيوعية والإلحاد، وما شابهها من أحكام كفر، ومن هذا المنطلق أيضًا، لا يجيز الإسلام تكوين الجماعات، والأحزاب السِّيَاسِيَّة التي تبنى على مفاهيم عقدية مخالفة للشرع.

ومما سبق، يتبين خطأ ما يؤكده بعضهم من منطلق الحرِّيَّة السِّيَاسِيَّة الغَرْبيّ بأن الأمة في الإسلام مصدر السلطات وأن «أهم الحقوق التي يجب أن تمنحها الأمّة حتى تكون مصدرًا للسلطات أن يكون لأفرادها الحق في اختيار الحاكم، والحق في مراقبته ومحاسبته» [2] .

وكذلك يظهر عدم صحة الرَأْي القائل بأن النِّظَام السياسي الإسلامي يجعل:

معنى الحرِّيَّة السِّيَاسِيَّة: أن يكون الشعب هو صاحب الكلمة العليا في شؤون الحكم، ويتم ذلك بالمشاركة في مسؤولية الحكم-سواء بطريق مباشر أو عن طريق ممثليه- ويتمثل ذلك في حق الأمة في اختيار الحاكم وفي مراقبته ومحاسبته على أعماله وفي مشاركته في الحكم، وفي عزله إذا حاد عن الطريق القويم، أو إذا خالف ما فوضته الأمة فيه [3] . حيث بُنيت الآراء السابقة على افتراض أن الأمّة مصدر السيادة وعلى فكرة الدِّيمُقْراطِيَّة الغَرْبيّة، سواء المباشرة، منها أم النيابية، في حين جعل الإسلام السيادة

(1) النساء / 65.

(2) الشيشاني، د. عبد الوهاب عبد العزيز: حقوق الإنسان وحرياته الأَسَاسيَّة في النِّظَام الإسلامي والنظم المعاصرة، ص (607) .

(3) عبد الله، عبد الحكيم حسن محمد: الحريات العامة في الفِكْر والنِّظَام السياسي في الإسلام، ص (316) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت