عليها. «وعلى ذلك يكون ما في الإنجيل من وصايا بالعفو في الجرائم الشخصية ليس قانونًا ينفذ ولكنه وصية لشخص المجني عليه إن أراد أن يتبعها وإلا فالقانون هو الذي ينفذ» [1] .
وإن حرفت النصارى في العقوبة والقصاص العادل فقد عدلوا بربهم غيره وجعلوا له شركاء، إذ جعلوه ثالث ثلاثة {وَقَالَت النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ} [2] فأشركوا و {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [3] وإذا كان القوم قد ارتكبوا أعظم الظلم والجور وظلموا أنفسهم، فماذا يتوقع في إقامة العدل فيما بينهم.
وقد أخبر الرسول - صلى الله عليه وسلم - في قصة المخزومية التي سرقت: « ... إنما ضلَّ من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق الشريف تركوه وإذا سرق الضعيف أقاموا عليه الحد» [4] يشملهم وإن كان هو في اليهود أظهر، وهؤلاء رهبانهم الذين هم علماؤهم نجدهم ظلمة جائرين آكلين لأموال الناس بالباطل قَالَ تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} [5] . ولعل من أبرز مظاهر ذلك ما تمارسه الكنيسة من إصدار ما عُرف بـ «صكوك الغفران» وهي صكوك يصدرها أهل السلطة في الكنيسة من الباباوات والمطارنة والبطاركة والقساوسة باسم الكنيسة، يغفر بمقتضاها لحاملها ما اقترفه من الآثام والخطايا في حياته، مقابل أن يدفع مبالغ للكنيسة وهذا إلى جانب كونه أكلًا لأموال الناس بالباطل فهو أيضًا قول على الله بلا علم وافتراء عليه.
ومن صور جور هذه الأمة وعدم عدلها، أن كل فرقة وطائفة منها، إذا تسلطت على الفرق الأخرى أذاقتها ألوانًا من الظلم والبطش والاضطهاد ولم ترقب فيها إلاّ ولا ذمة، يقول الدكتور أحمد شلبي: «تكرر في تاريخ المسيحية حدث عظيم لم يتخلف وهو التجاء الجانب القوي إلى أعنف وأقسى وسائل الاضطهادات والتعذيب والتنكيل والحرق، والإفناء يسلطها
(1) أبو زيد، حسين، العقوبة الجسدية بين الشَّرِيعَة الإسْلاميَّة والقانون الوضعي، ص (134) .
(2) التوبة / 30.
(3) لقمان / 13.
(4) الحديث سبق تخريجه، ص
(5) التوبة / 34.