على الجانب الضعيف ... والعجيب أن المسيحيين (النصرانيين) أُضطهدوا من اليهود والرومان، ونزلت بهم الويلات في القرون الثلاث الأولى، فلما بدأ جانبهم يشتد رأيناهم ينزلون نفس الويلات من أبناء دينهم ومن أتباع الأديان الأخرى، ومن هنا فنيت مذاهب مسيحية كثيرة كان بعضها في وقت ما، له الغلبة في العدد ولكن تنقصه القوة والسلطان وكان فناء هذه المذاهب بسبب قسوة اليهود والرومان أحيانًا وأحيانًا بسبب قسوة فرق مسيحية أخرى قويت واشتدت بالأباطرة وذوي النفوذ» [1] .
وهذا مصداق قوله تعالى: {وَمِنَ الَّذِينَ قَالوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} [2] .
قَالَ الحافظ ابن كثير رحمه الله: «فألقينا بينهم العداوة والتباغض لبعضهم بعضًا ولا يزالون كذلك إلى قيام الساعة، وكذلك طوائف النصارى على اختلاف أجناسهم لا يزالون متباغضين متعادين، يكفر بعضهم بعضًا، ويلعن بعضهم بعضًا، فكل فرقة تحرم الأخرى ولا
تدعها تلج معبدها فالملكية [3] تكفر اليعقوبية [4] وكذلك الآخرون وكذلك النسطورية [5] والآريوسية [6] كل طائفة تكفر الأخرى» [7] . وكمثال على ما لاقاه الأقباط في مصر - وهم من
(1) شلبي، د. أحمد: المسيحية، ص (237) .
(2) المائدة / 14.
(3) الملْكِيَّة ... أو الملكانية، أصحاب ملكان الذي ظهر بأرض الروم ومعظم الروم ملكانية، صرحوا باثبات التثليث وقَالوا:
«إن الكلمة اتحدت بجسد المسيح وتدرعت بناسوته. أنظر: الشَّهْرَسْتانيّ: الملل والنحل (2/ 27) .
(4) اليعقوبية نسبة إلى يعقوب البراذعي، مصري ظهر في منتصف القرن السادس الميلادي، وهم الذي يقولون بأن المسيح ذو طبيعة واحدة قد امتزج فيه عنصر الإله بعنصر الإنسان وتكوّن من الاتحاد طبيعة واحدة جامعة بين اللاهوت والناسوت. أنظر: أبو زهرة، محمد: محاضرات في النصرانية، ص (140 - 159) .
(5) النسطورية: نسبة إلى نسطور الحكيم الذي ظهر في زمان المأمون كان بطريرك القسطنطينية يرى أن العذراء لم تلد إلهًا بل ولدت إنسانًا وهو يرى أن الأقنوم الثاني وهو الابن لم يتجسد وتلده مريم كما يرى غيره من المثلثين، أنظر الشَّهْرَسْتانيّ: الملل والنحل (2/ 29) . وأبو زهرة، محمد: محاضرات في النصرانية ص (157) .
(6) الآريوسية: هم أصحاب آريوس وكان قسيسًا بالاسكندرية ومن قوله: التوحيد، المجرد وأن عيسى عليه السلام عبد مخلوق وأنه كلمة الله التي بها خلق السماوات والأرض. أنظر ابن حَزْم الفصل في الملل والأهواء والنحل (1/ 48) .
(7) ابن كثير: تفسير القرآن العظيم ن (3/ 62) .