وشكت ذلك أمهما قال - صلى الله عليه وسلم - لها: (( يقضي الله في ذلك ) )، فنزلت آية الميراث، فأرسل إلى العم فقال: (( أعط بنتي سعد الثلثين ) ) [1] ، فلا يرد على ذلك أنه يلزم منه نسخ الكتاب بالسنة، فإنه بيان لا نسخ، وقيل: بالقياس على الأختين [2] ، وهما أولى لما يختص بهما من أنهما أمس رحمًا بالميت من أختيه، فلا يقصر بهما عنهما، وقيل: إن لفظ {فَوْقَ}
في الآية مقحم [3] وهو غلط [4] ، وقال إسماعيل القاضي في"أحكام القرآن" [5] : يؤخذ ذلك من قوله - تعالى: {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ} ؛ لأنه يقتضي أنه إذا كان ذكرٌ وأنثى، فللذكر الثلثان، وللأنثى
(1) سبق تخريجه في الهامش رقم: 4 ص: 770 على أن ابن عاشور في"التحرير والتنوير": 4/ 258 أبى الاستدلال بذلك، فقال:"أما حديث امرأة سعد بن الربيع المتقدم فلا يصلح للفصل في هذا الخلاف؛ لأن في روايته اختلافًا: هل ترك بنتين أو ثلاثًا".
(2) فرض الأختين إذا لم يوجد فرع وأصل وارث ومعصب لهن الثلثان بالإجماع؛ لقوله - عز وجل: {إِنْ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ} [النساء: 176] ، فقيست البنتان عليهما بجامع أن الواحدة منهما تأخذ النصف، وهو من قياس الأولى؛ لأن البنتين أقوى نسبًا إلى المورث، وألصق به من أختيه، فإذا أخذ الأختان الثلثين أخذ ذلك البنتان من باب أولى؛ انظر:"أحكام القرآن"؛ لابن العربي: 1/ 337،"أحكام القرآن"؛ للجصاص: 2/ 117،"الجامع لأحكام القرآن"؛ للقرطبي: 5/ 63،"المحرر الوجيز"؛ لابن عطية: 4/ 34،"تفسير الجلالين مع حاشية الجمل": 1/ 360،"فتح القدير"؛ للشوكاني: 1/ 643 - 644،"المفصل في أحكام المرأة"؛ د. زيدان: 11/ 278،"فقه المواريث"؛ للاحم: 1/ 281.
(3) قال: بكون {فَوْقَ} صلة أو زائدة، جماعة من أهل العلم، منهم: الثعلبي في"الكشف والبيان": 4/ 22 أ، والواحدي في"البسيط"- تحقيق المحيميد: 1/ 132، و"الوجيز"له: 1/ 254، والبغوي في"معالم التنزيل": 2/ 177، والماوردي في"الحاوي الكبير": 8/ 100، والرملي في"نهاية المحتاج": 6/ 15، وابن قاسم في"حاشية الروض المربع": 6/ 110 - 111 وغيرهم.
(4) ممن حكم بغلطه أيضًا: النحاس في"إعراب القرآن": 1/ 439 والذي قال عنه:"وهو خطأ؛ لأن الظروف ليست مما يزاد لغير معنى"، وقال ابن عطية في"المحرَّر الوجيز": 4/ 34:"ومن قال: فوق زائدة واحتج بقوله - تعالى: {فَوْقَ الْأَعْنَاقِ} هو الفصيح، وليست فوق زائدة، بل هي محكمة المعنى؛ لأن ضربة العنق إنما يجب أن تكون فوق العظام في المفصل دون الدماغ، كما قال دريد بن الصمة: اخفض عن الدماغ وارفع عن العظم، فهكذا كنت أضرب أعناق الأبطال."
وانظر القول برده أيضًا في:"البحر المحيط"؛ لأبي حيان: 3/ 182، و"تفسير القرآن العظيم"؛ لابن كثير: 1/ 561.
(5) كتاب"أحكام القرآن"؛ لإسماعيل القاضي الجهضي لا يزال مخطوطًا، وتوجد منه قطعة مخطوطة في القيروان بتونس، كما ذكر ذلك سزكين في"تاريخ التراث العربي": 2/ 151، وانظر:"موارد الحافظ ابن حجر العسقلاني في علوم القرآن من خلال كتابه فتح الباري"؛ لمحمد أنور: 153،"معجم المصنفات الواردة في فتح الباري؛"لمشهور حسن وزميله: 42 رقم: 20.