في شكّ) (تفسير ابن كثير) ، وشكه في الآخرة دفعه إلى تصديق وعد الشّيطان ولذلك استثنى إبليس من إغواء بني ادم من خلصه الله من كيده فكان من الّذي اخلص دينه لله، فلا يأتمر إلا بأمر ربّه ولا يصدق إلا وعد ربّه، قال تعالى: {قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} (ص 82) ، ثمّ قال: (وما كان لي عليكم من سلطان) والسلطان هي الحُجَّةُ والبُرْهان، كقوله تعالى: ولقد أَرْسَلْنا موسى بآياتِنا وسلطان مُبين، أَي وحُجَّةٍ بَيِّنةٍ. أي ما كان لي دليل ولا برهان فيما دعوتكم إليه ولا حجة فيما وعدتكم به (إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي) والدعوة هي مجرّد طلب القيام بالفعل، على عكس من جاء بالدليل والبراهين على صدق دعوته، وهذا استخفاف واستهزاء بهم فقال: (فلا تلوموني) اليوم (ولوموا أنفسكم) .
والتأمل في الآية، في قوله سبحانه وتعالى: (وَمَا كان لِيَ عَلَيْكُم مِّن سلطان إِلاَّ أن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي) يفهم منها أمرين، الأوّل أنّ العبد لا يُؤخذ على عمل أُجبر عليه، ولكن يُؤاخذ على العمل الّذي اختاره بنفسه ولو كان اختياره بدعوة من الشّيطان، فيفهم من قول إبليس أنّه لم يجبرهم على المعاصي، أنّه لا يقدر على ذلك. ولو أنّه قدر على إجبارهم وتسلّط على أعضائهم ليفعلوا المعاصي لم يكن الفاعل هو العبد بل كان الفاعل هو الشّيطان، ولا يؤاخذ العبد على ما لم يفعله طوعا، وليس هذا مراد الشّيطان، بل مراده أن يغويهم ويزين لهم ويدعوهم فيستجيبون له فيحاسبون على ما فعلوه، ولذلك لن تجد الشّيطان يهدد العبد إذا لم يفعل المعصية، بل يزينها له ليفعلها طواعية فيحاسب عليها والله أعلم. ثانيّا سلاحه الوحيد هو الدعوة والوسوسة، وصدق الله: (إنّ كَيْدَ الشّيطان كان ضَعِيفًا) ولا يعني هذا أنّه لا يمكنه صرع المريض، وهذا قد بيناه في ما تقدّم من الكتاب، ولكن هذا سلاحه الّذي يحارب به المريض ليؤثر على اختياراته ومواقفه، فعلى المريض أن يسطر حياته بنفسك ولا يترك الشّيطان الفرصة لأن يتحكّم في تصّرفاته وخياراته. فالشّيطان وإن تسلّط على بني آدم من خلال الأمراض الرّوحية فأنّه ليس له حجة أو برهان فيما يدعو إليه المريض، في مختلف الأمور