إنّ للأمراض الرّوحية أثرا نفسيا وعضويا على المريض ولا شك أنّها أشدّ وطأ على المؤمن لشدّة أثرها على دينه، وهي ابتلاء عظيم يكاد يوقع الكثير من النّاس في خسارة في الدّنيا والآخرة إلا من رحمه الله فزاده به حرصا وثباتا على الدّين.
تحدث الأمراض الرّوحية تغييرات عميقة في حياة المصاب، فبعد العيش الهنيء والنّوم القرير والصّحة والعافية والسعادة بكلّ من حوله وبعد النجاح والفلاح قدر الله وما شاء فعل انقلبت الحياة إلى جحيم يطلب الخروج منها ولو بالموت، فلا صحّة اليوم بل تعب في كلّ الأطراف، ولا راحة في النّوم فهو سهران لا تغمض له عين وأنّ غلبه النعاس قام خائفا مذعورا أو يائسا حزينا ممّا رآه في الأحلام. كما يشعر المريض أنّ أحبّ النّاس إليه قد تغيرت معاملتهم معه، فهو العبد الّذي لا يفهمه أحد ولا يعذره أحد، يقول أحدهم واصفا حاله: إنني أعيش في حزن وهم وغم ممّا أعانيه من مرض قد أصابني كم تمنيت الموت! تمرّ اللّحظة تلو اللّحظة وأتمنى الموت في اللّحظة الأوّلى قبل الثانية، ووسوسة الشّيطان تجعلني أقنط من الشّفاء وأفكر في قتل نفسي. ويقول آخر: يؤلمني قلبي يعصره الشّيطان اللعين ويكاد يخرج من مكانه، ويضيق صدري فلا أجد الهواء فيه، وتنزل دموعي ولا أنام اللّيل، جسمي يرتعش ويؤلمني في كلّ مكان، أطرافي باردة، أشاهد الموت مرّات ومرات، لا أستطيع الوقوف ولا الجلوس مع النّاس، الدّنيا سوداء أمامي، لا استمتع بأي شيء من حولي فأنا أعاني أعاني أعاني. ويقول أحدهم: ذهب خشوعي في الصّلاة وحل مكانه الصدود عن ذكر الله وعن الطّاعات، وتعلق قلبي بالشهوات والمعاصي وذهبت راحتي بصداع دائم لا يكون له سبب طبي، وانقلب حلمي غضبا، وذهب عقلي بشرود ذهني وكثرة النّسيان، وصارت قوتي خمولا في أنحاء الجسد مع كسل شديد وفتور، وما زادني غما حالات الأرق في اللّيل فلم أجد حلا لهذا الشعور إلاّ البكاء أو الضّحك دون سبب، اللّهم إليك أشكو ضعف قوّتي وقلّة حيلتي وهواني على النّاس يا أرحم الرّاحمين أنت أرحم