رضي الله عنهما والقرطبي في جامع الأحكام والطبري في جامع البيان والألوسي في تفسيرهما والأشعري في مقالات أهل السنّة والجماعة والفقيه بن حزم في الفصل في الملل والنحل والقاضي بدر الدّين الشبلي والقاضي عبد الجبار الهمداني في آكام المرجان والحافظ ابن حجر في فتح الباري. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وجود الجنّ ثابت بالقران والسنّة واتفاق سلف الأمّة وكذلك دخول الجنّي في بدن الإنسان ثابت باتفاق أئمة أهل السنّة، وهو أمر مشهود ومحسوس لمن تدبره يدخل في المصروع ويتكلّم بكلام لا يعرفه) (مختصر الفتاوى المصرية) .
إنّ السؤل الّذي يُطرح في هذا الموضع هو أين يتمركز الجنّي إذا دخل جسم الإنسيّ، وهذا الموضوع قد شاعت فيه أفكار باطلة واعتقادات خاطئة قلّ من ينجو منها، ويعود هذا إلى اتباع الهوى من جهة، والبعد عن الأدلة الشرعيّة والوقوع في فخّ الشياطين الّتي تروج هذه العقائد الخاطئة من جهة أخرى، ولو علم النّاس أنّ الأمور الغيبية لا تؤخذ إلا من كتاب الله أو من السنة النّبوية وتجنبوا الحديث مع الشّياطين على لسان المرضى لما وقعوا في هذا الخطأ. فالبعض يظنّ أنّ الجنّي المتلبّس بالجسد يسكن عضوا محدودا يجد فيه راحته أو يريد أذيته، وربما نشأت هذه الفكرة من سؤال بعض المعالجين للجنّي المتلبّس، إذا حضر على لسان المريض، عن مكان تواجده في الجسد مع علمه بعداوة الجنّي وكذبه، فيجيبه بما يضلله أو بما ينتظره المعالج من إجابة بناء على اعتقاده، فيصدّق المريض ذلك وتراه إذا شعر بألم في جزء من جسمه قال إنّ الجنّي متواجد في ذلك المكان. إلاّ أنّ الأدلة العقلية والنقلية تخالف ذلك لما سأبيّنه:
-1 - كيف يسأل الرّاقي الجنّي عن مكان تواجده وهو يرى أنّ جسد المريض كلّه متحجر وهو يتخبط بكلّ أطرافه، فهل من المعقول أن يتواجد الجنّي في الرحم مثلا وهو يتكلّم على فم
المريض ويتحكّم في تخبط يديه ورجليه؟؟
-2 - هل يظنّ من يسأل الجنّيّ عن مكان تواجده أنّه سيخبره بالحقيقة؟؟ أم ينتظر منه أنْ يقول له إنيّ في مكان كذا حتّى يساعده على قتله؟؟