وهذا ما يؤخر التقدّم في العلاج ويدخل الريب في قلب المريض، إذ يجد نفسه في حلقة مفرغة فهو ينطلق ببرنامج في جهاد العدوّ ثمّ يفقد صبره وعزيمته فيتخاذل ويترك العلاج وبعد مدة يعود مع برنامج آخر لفترة قصيرة وهكذا، ويظنّ المريض أنّه جرب كلّ البرامج ولم ينتفع بها، وهو كمن يتخبط في مكانه ويطلب الوصول إلى اليابسة، فلم يزده ذلك إلا تعبا دون نتيجة، وكلما زاد الوقت تعب وأحس بالغرق فخاف ويئس، ولو أنّه تمسك ببرنامج متكامل واستمر عليه لاجتاز مرحلة التّعب وأحس بتحركه في اتجاه الشّفاء، فعليه أن يكتفي بتطبيق البرنامج العلاجيّ ولا يستفتي قلبه في جدوى العلاج ليقطع الطّريق على العارض.
قبل أن نتطرّق إلى ما تُحدثه الأمراض الرّوحية على نفسيّة المريض، لا بدّ من النظر في أصل العلّة أي هل أنّ حالة الفزع والقلق واليأس أمر جاء من المرض الرّوحي أو أنّ النّفس تحمل هذه
الصّفات بطبعها؟
يقول الله تعالى مخبرا عن الإنسان وما هو مجبول على بعض الخصال {إنّ الإنسان خُلِقَ هَلُوعًا} ثمّ فسّره بقوله: {إِذَا مَسَّهُ الشرّ جَزُوعًا} ، أي: إذا أصابه الضر فزع وجزع وانخلع قلبه من شدّة الرعب ويئس أن يحصل له بعد ذلك خير {وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا} أي: إذا حصلت له نعمة من الله بخل بها على غيره، ومنع حقّ الله فيها. فهذه التقلبات النّفسيّة هي في الفطرة السّليمة للإنسان مع العلم أنّ فطرته السّليمة تستلزم التّوحيد، فأمّا من كانت فطرته غير سليمة فلا بدّ له أن يعاني من قلّة الأمن لقوله سبحانه"الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون"، والظلم بمعنى الشرك، فالإنسان مجبول على هذه الصّفات بفطرته وطبيعة خلقه إلاّ من عصمه ربّه ووفقّه للأخذ بالأسباب الدافعة لتلك الحالات النّفسيّة
وهي كما عددها الله في الآيات الّتي بعدها.
كما أنّ شدّة البلاء وطول فترة العلاج في بعض الحالات قد يعرض المريض لعدّة انتكاسات وإحباط في العزيمة، وهذه الحالة ناتجة عن ردّة فعل العارض لما أصابه من عذاب بسبب العلاج،