فهرس الكتاب

الصفحة 209 من 241

فهذا التّعب يدلّ إذا على قرب الشّفاء إن شاء الله، فالمسلم المتعلق بربّه لا يعرف اليأس، وكيف يقع فيه وهو إساءة الظّنّ بربّه، يقول الله سبحانه وتعالى في ذمّ اليهود: {وَقَالَتْ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَان يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ} (المائدة 64) ، وكيف يظنّ المتوكّل على ربّه أنّه يسلمه لعدوّه، وهو القائل: {وَمَنْ يتوكّل عَلَى اللَّهِ فَهُو حَسْبُهُ إنّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكلّ شَيْءٍ قَدْرًا} (الطلاق 3) ، وكيف يكون في نفسه ريب أنّ الله هو المربي لعباده الحكيم في قضائه، العليم بحالهم وهو الرّحمان الرّحيم. فالله عزّ وجلّ هو ربّ كلّ شيء ومليكه، وجميع الأشياء مخلوقة له مملوكة له لا لأنفسها، كما قال الله لموسى عليه السّلام: {وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي} (طه 41) أي اصطفيتك واجتبيتك رسولًا لنفسي، أي كما أريد وأشاء، رواه البخاري عند تفسيرها. والله هو الحكيمُ في خلقه وأمره، وفي تقديره ما يشاء ومنعه ما يشاء، له الحكمة في ذلك والعدل التام.

وهو العليم بحال عباده لا يخفى عليه شيء من أمرهم وهو القائل: {أَلا إنّ لِلَّهِ مَا فِي السّماوات وَالأَرْضِ قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا وَاللَّهُ بِكلّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} (النور 64) ، وقال تعالى: {وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَو اجْهَرُوا بِهِ أنّه عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} (الملك 13) . وهو الرّحمن الرّحيم أرحم بعباده من أنفسهم، ولا يحصى رحمته إلا هو، فالله يقدر للعبد الخير فإن كان الخير في شّفاء المريض لشفاه رحمة به، وإن كان الخير في غير ذلك لكان من رحمته أن يؤجلّ له ذلك.

والمسلم لا يتوكّل على الأسباب، فالأخذ بالبرنامج من الأسباب ويبقى توكّله على الله سبحانه، فلا يتوكّل المريض على معالج أو علاج فالتّوكّل على غير الله يورث المذلة، وتأمل في جمال هذه الآية الّتي تدلّ على أنّ الله هو الّذي بيده كلّ شيء حتّى وإن تعلّقت الأسباب بنصر الملائكة للمؤمنين: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ إنيّ مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ * وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إنّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (الأنفال 9 - 10) ، فبعد أن هيأ لهم الله سبحانه الأسباب بنصرة الملائكة لهم، عطف بتذكيرهم أنّهم لا يملكون لكم نصرا فاطلبوه من عند العزيز الحكيم: أن ينصُرْكُمُ اللّهُ فَلاَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت