فهرس الكتاب

الصفحة 7 من 241

سبحان الّذي أنعم وقدّر وهدى لعباده ما طاب من النعم والفضل والكرم، يتقلّب فيها العبد لا يدري، لا يقدّر قيمتها، غافلا عن شكر من أنعم بها عليه، فخير المنعم على العبد نازل وشرّ العبد إلى المنعم صاعد، فسبحان المنعم الّذي يتودّد للعبد وهو غنيّ عنه وسبحان من يتبغّض إليه العبد بالمعاصي وهو أحوج ما يحتاج إليه. فالحمد لله الّذي منّ على عباده برزقه ممّا سألوه وممّالم يسألوه، والحمد لله الّذي خلق السّماوات والأرض وأنزل من السّماء ماء فأخرج به من الثّمرّات رزقا لعباده، وسخّر لهم من الدّواب ما يحمل أثقالهم إلى بلد لم يكونوا بالغيه إلا بشقّ الأنفس، وسخّر لهم الفلك لتجري في البحر بأمره ليبتغوا من فضله، وسخّر لهم النّهار وجعله للعمل وسخّر لهم اللّيل ليسكنوا فيه ولم يجعلهما سرمدا إلى يوم القيامة، والحمد لله الّذي سخّر الآيات لقوم يتفكّرون، فالتّفكّر في نعم الله سبحانه دعوة إلى إحياء الشّعور بفضل الله وكرمه ورحمته وإحسانه ومدى فقر العبد وحاجته إليه سبحانه في كلّ لحظة وفي كلّ حركة وسكنة، فتشعر النّفس بالحياء من الله سبحانه لتقصيرها في شكره.

يقول سبحانه: {وَإن تَعدوّا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إنّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} (النحل 18) فالعبد عاجز على إحصاء نعم الله عليه، لأنّ الإحصاء يوجب إحاطته بقيمتها وشكر المنعم بها والعمل بما يرضي الله فيها، ومهما شكر العبد فلن يوفيّ شكر نعمة واحدة، فلقد رويّ أنّ داود عليه السّلام قال: يا ربّ، كيف أشكرك وشكري لك نعمة منك عليّ؟ فقال الله تعالى: الآن شكرتني يا داود. أي: حين اعترفت بالتّقصير عن أداء شكر النعم.

والتأمل في النّعم عبادة قد هجرها الكثير من النّاس فغفلوا عن حقّ المنعم فيها، وبقدر ما يتأمّل العبد في نعم الله عليه بقدر ما يتيقّن من ضعفه وحاجته لربّه وهذا هو طريق التّوحيد، يقول الله سبحانه: {وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثمّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ} (النحل 53) .

وأعظم نعمة يمنّ بها الله على عبده هي نعمة الإسلام، فهو دين الله الّذي اصطفاه للبشر، إذ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت