أقوى الأسباب لحضور العارض على المريض (وهذا خطأ من طرف المعالج فالأوّلى أن تكون نيّته للشّفاء وطرد العارض ولا ينفعه الحديث مع العارض لتشخيص الإصابة إذا كان حاذقا) .
فهذه جملة من الأسباب الّتي قد تهيء سيطرة العارض وصرعه للمريض بعد تقدير الله سبحانه، ولكن للمريض الدور الأكبر في ذلك فخوفه من العارض واستسلامه له، يعدّ أهمّ دافع في هذا الأمر، ولو أنّ المريض أصرّ على عدم الاستسلام واتّخذ الأسباب لذلك من تحصينات وثقة بالله وتوكّل عليه وأحسن الظّنّ به مع تكذيبه لوسوسة العارض لتغير ميزان القوى لصالح المريض، وحتّى أنّ نجح العدوّ يوما في صرع المريض فعليه أنّ لا يستسلم لذلك، فإن كان للباطل جولة فللحقّ صولات وجولات ولن تجد للباطل قرارا أنّ الباطل كان زهوقا.
قد أخطأ بعض النّاس في تقسيمهم للمسّ إلى ثلاثة أنواع، وقالوا هناك مسّ خارجي ومس
عارض (داخليّ) ومس داخليّ، فأضافوا بذلك نوعا ثالثا وهو المسّ العارض أو المسّ الداخليّ المؤقّت والّذي عرفوه بدخول وخروج الجنّ بصفة متكرّرة من جسم الإنسان واعتبروه تلبّسا حقيقا عارضا، حيث يتلبّس الجنّي الإنسيّ ساعات من النّهار أو اللّيل ثمّ يخرج من جسده ثمّ يعود إليه مرّة أخرى. وإن سلّمنا ابتداء بأنّ هذا النّوع من المسّ موجود فإنّ التقسيم لا يستقيم، فحسب تعريفهم المسّ العارض فبدخول الجنّي جسم الإنسيّ يكون بذلك مسا داخليّ ويرجع التقسيم إلى صنفين من المسّ داخليّ وخارجي. ولكن الأصل أنّ هذا النّوع يخالف العقل والشرع وذلك أنّه إذا كان جنّي يستطيع في أي وقت شاء أن يدخل جسم الإنسيّ (بإذن الله) لن ينجو منهم أحد حتّى المتحصن بالله، ذلك لأنّ الشّيطان عدوّ لبني آدم وكلّ هدفه أن يلحقّ به الأذى، وأي أذى أشدّ من دخول الجنّي جسم الإنسيّ واحتلاله والسّيطرة عليه، فإن كان هذا صحيح لأصبح أمرا عاديا كالوسوسة، ولم يكن مرضا من الأمراض الرّوحية. ومن جهة أخرى، فإنّ أكثر المعالجين يجمعون على أنّه لا يمكن للجنّي دخول الإنسيّ إلا إذا توفرت في الإنسيّ الغفلة الشّديدة عن الله وحالات نفسيّة كالخوف