قال الإمام ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى: (ليس طبِّه كطبِّ الأطباء، فأنّ طبّ النّبيّ متيقن قطعي إلهي، صادر عن الوحي، ومشكاة النبوة، وكمال العقل. وطبُّ غيره أكثره حَدْس وظنون، وتجارب، ولا يُنكرُ عدم انتفاع كثير من المرضى بطب النبوة، فأنّه إنما ينتفعُ به من تلقّاه بالقبول، واعتقاد الشّفاء به، وكمال التلقي له بالإيمان والإذعان، فهذا القرآن الّذي هو شّفاء لما في الصدور لئن لم يتلق هذا التلقي لم يحصل به شّفاء الصدور من أدوائها، بل لا يزيد المنافقين إلا رجسا إلى رجسهم، ومرضا إلى مرضهم، وأين يقع طب الأبدان منه فطب النبوة لا يناسب إلا الأبدان الطيبة، كما أنّ شّفاء القرآن لا يُناسب إلا الأرواح الطيبة والقلوب الحية، فإعراض النّاس عن طب النبوة كإعراضهم عن الاستشّفاء بالقران الّذي هو الشّفاء النافع، وليس ذلك لقصور في الدّواء، ولكن لخبث الطبيعة، وفساد المحل، وعدم قبوله) .
أنّ الهجر لكتاب الله وعدم تعّهده بالتلاوة والتّدبر وحفظه كان سببا في بعد النّاس عن ربّهم والتّعلّق به، قال تعالى: {وَقَالَ الرّسول يَا رَبِّ أنّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا القرآن مَهْجُورًا} (الفرقان 30) قال ابن القيم: (وهجر القرآن أنواع، أحدها: هجر سماعه والإيمان به والإصغاء إليه. والثاني: هجر العمل به والوقوف عند حلاله وحرامه، وإنْ قرأه وآمن به. والثّالث: هجر تحكيمه والتّحاكم إليه في أصول الدّين وفروعه، واعتقاد أنّه لا يفيد اليقين، وأنّ أدلته لفظية لا تحصل العلم. والرابع: هجر تدبره وتفهمه، ومعرفة ما أراد المتكلّم به منه. والخامس: هجر الاستشّفاء والتّداوي به في جميع أمراض القلوب وأدوائها، فيطلب شّفاء دائه من غيره، ويهجر التّداوي به ... وأنّ كان بعض الهجر أهون من بعض) (بدائع الفوائد) . ولا يقتصر العلاج بكتاب الله على فضله ونجاعته في شّفاء الأبدان وطرد الأسقام فحسب، بل إنّ تلاوته تجارة رابحة في الدّنيا والآخرة، قال تعالى: {أنّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصّلاة وَأَنفَقُوا ممّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ} (فاطر 29) ، وقال: (من قرأ حرفا من كتاب الله فله به