الاعتداء الجنسيّ من الجنّ على الإنسيّ موضوع اختلف فيه، فمنهم من يعترف بجزء من الحقيقة
وينكر أخرى، ويذكرني هذا بمن يقول أنّ السّحر إنما هو تخيل ولا وجود له حقيقة ويعتمد على دليل الآية: (يخيل له من سحرهم أنّها تسعى) وآخر يقول بل له حقيقة وليس خيالا ويستدلّ (وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون النّاس السّحر ... ) وإلى آخره ... والصواب في اجتماع الرأيين فهناك سحر التّخيل وهناك أسحار أخرى ... كذلك جمعت في
خصوص الجنّ المعتدي ما يلي:
تكون فيه هذه العملية على حقيقتها، ذلك أنّ الجنّ يمكنهم التّشكلّ فيستطيع الإنسان أن يراهم وأن يتلمسهم، والدليل ما رواه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (وكلني رسول الله بحفظ زكاة رمضان فأتاني آت فجعل يحثو من الطّعام فأخذته فقلت لأرفعنك إلى رسول الله فقص الحديث، فقال إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي لن يزال معك من الله حافظ ولا يقربك شيطان حتّى تصبح، وقال النّبيّ صدقك وهو كذوب ذاك شيطان) . وحديث الرّسول عليه السّلام لما خنق الشّيطان بيده حتّى أحس ببرد لسانه، وكذلك: في الآية الكريمة {فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَان} (الرحمن 56) ، قال القرطبي في تفسيره: (إنّ نساء الآدميات قد يطمثهن الجان، وأنّ الحور العين قد برأن من هذا العيب ونُزهنّ، والطّمث الجماع) .
فالاعتداء الجنسي الحقيقي يمكن أن يكون عيانا في اليقظة أو عند النّوم في حالة عدم تحصين المريض، أمّا في اليقظة فالشّيطان يكاد يجزم برغبة الطرف الآخر بذلك، لغفلته عن الله أو لخبث نفسه كخبث السّحرة والمشعوذين. وأمّا في المنام فيأتي عن طريق استمالة النّفس الأمارة بالسوء
والمجبولة بطبعها على حبّ الشهوات، فيدخل على المريض عن طريق الأحلام ويفعل الشّيطان