أخرجوا الجنّي المتلبّس واحدا بعد آخر وصرف نيّتهم السعي لعلاج المريض إلى نية الإحضار والتكلّم مع جنّي المتلبّس والله اعلم، فهذا خطأ يقع فيه الكثير وقد رأينا نتيجته في تأخر الشّفاء وإصرار الجنّيّ المتلبّس على البقاء مستعينا بأكاذيبه في إدخال اليأس على المريض والقراء. وأهل الخبرة لا يخوضون في الحديث مع جنّي المتلبّس لأنّ هذا تتبّعٌ لخطوات الشّيطان وقد تبيّن لكم كيف نجح لمّا أنصتوا له، وغالبا ما تكذب الجنّ وتأتي بالخرافات وتتسلّى بهذه الأكاذيب، وأظنّ أنّ جنّي الأوّل والثاني والثالث والرابع ما هم إلاّ واحد فقط، والأسلم أن يلتزم المعالج بمعالجة المريض والتثبت من شفائه أو عدمه دون الدّخول في تفاصيل غيبيّة لا يحيط بها.
إنّ الإصابة بالمسّ من الجنّ لا تستوجب بالضرورة أن يتخبط الجنّي المريض ويصرعه، بل قد يكون المريض مصابا إصابة شديدة ولا يتمكّن الجنّي المتلبّس من الحضور عليه حتّى أثناء فترة العلاج وأنّ طالت. والتخبّط أو الصّرع هو نوع من أنواع حضور جنّي المتلبّس على بدن المريض نتيجة سيطرته على الجسد والتمكُن من استعمال أعضائه، وتتراوح نسبة تحكمه في الجسد بين الكليّ والجزئيّ، فإذا بلغ الصّرع بالمريض حد تكلّم جنّي على لسانه وتحريك أطرافه مع غياب تام لتحكم المريض في حواسّه، فيفقد خلال فترة الصّرع السمع والبصر والإحساس بما يدور من حوله فيسمّى هذا حضورا كليا، وهذا لا يدلّ بالضرورة على قوّة جنّي المتلبّس بل قد يرجع إلى عدّة أسباب أخرى ساعدته على ذلك.
وقد يتحكّم الجنّي في بعض أطراف المريض وبعض حواسه دون الكلّ، بحيث يشعر المريض بما يدور حوله ويسمع كلام الجنّي على لسانه ولكنّه لا يقدر على السّيطرة على كلّ حركاته فيسمّى هذا حضورا جزئيا.
وقد يحضر الجنّي المتلبّس على المريض بطريقة خفّية وذلك بوسوسته، فيسيطر على أفكار المريض ونيّته وطريقة فهمه للأمور وفي هذا الحضور درجات بحيث لا يتمكّن جنّي المتلبّس من المريض إلاّ في حالات الغفلة عن الله، ويصل ببعض المرضي إلى درجة الوسواس القهري الّذي