فهرس الكتاب

الصفحة 14 من 241

فإذا استشعر العبد هذه المعاني انقلب البلاء في حقّه إلى نعمة وفتح له باب المناجاة ولذّة العبادة، وقوّة الاتصال بربّه والرّجاء وحسن الظّنّ بالله وغير ذلك من أعمال القلوب ومقامات العبادة ممّا تعجز الكلمات عن وصفه، يقول وهب بن منبه: لا يكون الرّجل فقيها كامل الفقه حتّى يعدُّ البلاء نعمة ويعد الرّخاء مصيبة، وذلك أنّ صاحب البلاء ينتظر الرّخاء وصاحب الرّخاء ينتظر البلاء، وقال رسول الله: (يودّ أهل العافية يوم القيامة حين يعطى أهل البلاء الثّواب لو أنّ جلودهم كانت قرضت في الدّنيا بالمقارض) (رواه الترمذي) .

ويبتلى العبد بالأمراض والأسقام وإنّ من أشدّها الأمراض الرّوحية أو أمراض الأرواح الخبيثة أو الأمراض الشيطانيّة أو المسّ الشّيطاني، وهي أمراض تصيب العبد من جرّاء الأنفس الخبيثة إن كانت بشريّة أو جنّية أو يشترك فيها كلا الطّرفين، ويجمعهما في ذلك أمّا غفلة أحدهما أو خبث نفوسهما وتواطؤهما على إرادة الشرّ وحب زوال النّعمة عن العبد. والمسّ الشّيطاني له عدّة أسباب من أبرزها الحسد وسحر، وسنتعرض إن شاء الله إلى شرح كلّ هذه الأسباب

ببعض التّفصيل.

فصل: تعريف الأمراض الرّوحية

قبل مواصلة الكلام عن الأمراض الرّوحيّة يجدر بنا أوّلا التعرّف إلى طرفيْ هذا المرض وهما الإنَس والجنّ، أمّا الإنسان فهو مخلوق من تراب قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النّاس إنّ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ} (الحج 5) خلقه الله بيديه لقوله: {قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ} (ص 75) ونفخ فيه من روحه، وأول ما خلق الإنسان كان في الجنّة ثمّ نزل إلى الأرض، بتقدير من الله قبل أن يخلقه، لقول النّبيّ: (حاجّ موسى آدم عليهما السّلام، فقال له: أنت الّذي أخرجت النّاس بذنبك من الجنّة وأشقيتهم؟! قال آدم: يا موسى! أنت الّذي اصطفاك الله برسالاته وبكلامه، أتلومني على أمر قد كتبه الله علي قبل أن يخلقني. قال رسول الله: فحاجَّ آدمُ موسى) (أخرجه البخاري) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت