حتّى يكاد يهلك، فكان من رحمة الله بعبده أن يشفق عليه ويزيل عنه ما كان من النعم عليه أوزارا ولغفلته استمرارا، بل قد تحرمه ممّا يبحث عنه ويستزيد فإنّه قال: (إنّ العبد ليحرم الرِّزق بذنب يُصيبه) ، فيأتيه الابتلاء ليقطع به الله غفلته وينير عقله وفؤاده ويمحو عنه وزره وسيئاته، يقول ابن القيم: (فلولا أنّه سبحانه يداوي عباده بأدوية المحن والابتلاء لطغوا وبغوا وعتوا، والله سبحانه إذا أراد بعبد خيرًا سقاه دواء من الابتلاء والامتحان على قدر حاله، يستفرغ به من الأدواء المهلكة، حتّى إذا هذّبه ونقّاه وصفّاه: أهَّله لأشرف مراتب الدّنيا، وهي عبوديته، وأرفع ثواب الآخرة وهو رؤيته وقربّه) (زاد المعاد) ، ويكون الابتلاء مكفرا للذّنوب لقول النّبيّ: (ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه، وولده، وماله، حتّى يلقى الله وما عليه خطيئة) (رواه الترمذي) وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله:(ما يصيب المؤمن
من شوكة فما فوقها إلاّ رفعه الله بها درجة، أو حط عنه بها خطيئة) (رواه مسلم) .
ثمّ إنّ قضاء الله في عباده لا يردّه إلاّ الله، فليس للعبد إلا أن يحسن الظّنّ بربّه ويسلم أمره إليه ويتوكّل عليه، وإذا علم العبد هذا اطمأنّ قلبه ورضي بقضاء ربّه، وإنّ لنا في أمّ إسماعيل لعبرة حين تركها إبراهيم عليه السّلام مع رضيع في واد غير ذي زرع فنادته وقالت: يا إبراهيم أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي ليس فيه أنيس، ولا شيء؟ فقالت له ذلك مرارًا، وجعل لا يلتفت إليها، فقالت: آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم: قالت: إذًا لا يضيعنا.
فالواجب على العبد حين وقوع البلاء أن يتيقّن أنّ هذا قدر من الله وأنّ الله لن يضيعه، فيسلّم الأمر ويسترجع ربّه ويحتسب أجره في مصيبته على الله، ويلتزم شرعه ولا يخالف أمر ربّه ويعلم أنّ هذا البلاء مكتوب عليه لا محيد عن وقوعه فلا يتسخّط، فربما ابتلاه الله بهذه المصيبة دفعًا لشرّ وبلاء أعظم ممّا ابتلاه به، وعليه أن يستعين بالصّبر والصّلاة والاستغفار ممّا أحدث من الذنوب ويتخذ الأسباب النافعة لدفع البلاء فيكون بذلك من أولئك الذين عليهم صلوات من ربّه ورحمة، وأولئك هم المهتدون، وممّا يُؤسف له أنّ بعض المسلمين ممن ضعف إيمانه إذا نزل به البلاء تسخّط، ولام خالقه في أفعاله تعالى الله عما يقولون، وغابت عنه حكمة الله في قدره فوقع في بلاء أشدّ ممّا نزل به وارتكب جرمًا عظيما في حقّ ربّه.