وما يقدَر الله من قضاء لعباده قد تخفى حكمته عليهم وإنّ لنا في قصة موسى عليه السّلام والخضر لعبرة لأولي الألباب، نأخذ منها مشهدا من قول لله تعالى: {وَأمّا الْغُلامُ فَكان أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا (80) فَأَرَدْنَا أن يُبْدِلَهُمَا ربّه مَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا} (الكهف 81) ، قال النّبيّ: (الغلام الّذي قتله الخضر طبع يوم طبع كافرًا) (رواه ابن جرير) قال ابن عباس في تفسيره لقوله سبحانه: (فَكان أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا) أي يحملهما حبه على متابعته على الكفر، وقال قتادة: قد فرح به أبواه حين ولد، وحزنا عليه حين قتل، ولو بقي لكان فيه هلاكهما، فليرض امرؤ بقضاء الله، فأنّ قضاء الله للمؤمن فيما يكره خير له من قضائه فيما يحب. وقضاء الله تعالى منزه عن الشرِّ، قال الله تعالى: {قُلِ اللّهم مالكَ الملْكِ تُؤتي المُلْكَ مَنْ تَشاءُ وتَنْزِعُ المُلْكَ مِمَّنْ تشاءُ وتُعزّ مَنْ تشاءُ وتُذِلُّ مَنْ تشاءُ بيدِكَ الخَيْرُ إِنَّكَ على كلّ شَيءٍ قَديرٌ} (آل عمران 26) ، فقد تضمّنت هذه الآية تفرّد الله بالملك، وبالتّصرّف فيه وتضمّنت أنّ هذه التصرفات كلّها خير، فخلقه وفعله وقضاؤه وقدره خير كلّه، فإنّ أفعاله سبحانه دائرة بين العدل والفضل والحكمة والمصلحة لا يخرج عن ذلك، فلا يضع الأشياء إلاَّ في مواضعها اللاّئقة بها وذلك خير كلّه.
ومن تمام حكمة الله سبحانه وتعالى وكمال علمه بعبده، أن يقدر له ما يكون له أيسر ولشأنه أصلح وأنفع، فالله هو اللّطيف الخبير، قال تعالى: {أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُواللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} (الملك 14) . ويأتي الابتلاء على قدر الإيمان، فكلّما زاد الإيمان زاد الابتلاء والاختبار، فقال: (أشدّ النّاس بلاء الأنبياء ثمّ الأمثل فالأمثل) ، وقال: (يبتلى الرّجل على قدر دينه) ، والمطّلع على سيرة نبينا محمّد يجد أنّه ابتلي بما لم يبُتل به بشرّ، وهو أفضل البشرّ وأكرمهم عند الله، فقد ابتلى في أهله، وماله، وولده، ودينه، فصبر واحتسب وأحسن الظّنّ بربّه ورضي بحكمه وامتثل لشرعه وأمره فصار بحقّ قدوة يحتذى بها لكلّ مبتل.
وإنّ العبد الغافل ليغتر بما أنعم الله عليه من الصّحة والمال والأهل، فالنّعمة قد تكون فتنة أشدّ على النّفوس من الضّراء، وينسى العبد فضل المنعم وشكره ويضيع حقّ النّعمة عليه ولا يراعيها حقّ رعايتها، فيحيد عن الطّريق الرّباني السوي ولا يزيده ذلك إلا ارتكابا للذنوب والمعاصي