لا شرك فيه. فالتّوكّل هو صدق اعتماد القلب على اللّه تعالى في استجلاب المصالح ودفع المضار، ومن أسماء الله الحسنى الوكيل، وسمّي الوكِيلُ لأنّه يوكلّ إليه الأمر.
وتظهر حقيقة توكّل العبد على ربّه عند الشدائد إذ تزيغ القلوب ويتعلّق الغافل ولو بقشة ولا يتعلّق الذاكر إلا بربّه، قال تعالى: {فلمّا تَرَاءَى الْجَمْعَانّ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلَّا أنّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ} (الشّعراء 53 - 62) وقال تعالى عن هود عليه السّلام: {قالُوا يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ وَما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ وَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ * أنّ نَقُولُ إِلَّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ قالَ إنيّ أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا إنيّ بَرِيءٌ ممّا تُشْرِكُونَ * مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثمّ لا تُنْظِرُونِ * إنيّ تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ ما مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُو آخِذٌ بِناصِيَتِها أنّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ} (هود 53 - 56) ، ولا تتنافى حقيقة التّوكّل مع أنْ يأخذ العبد بالأسباب حتّى إذا لم يكن بدّ من تحقيق المراد اعتمد على الله في تحقيق النجاح فالأمر كلّه بيده، فيستسلم له ويرضى بقضائه مع حسن ظنّه بربه فيما اختاره له سبحانه، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه أنّه قال: (قال رجل: يا رسول اللّه أعقلها وأتوكّل، أو أطلقها وأتوكّل؟(يقصد ناقته) فقال: (اعقلها وتوكّل ) ) (سنن الترمذي) ، وكان من دعاء النّبيّ الّذي أمر به فاطمة رضي الله عنها: (يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث أصلح لي شأني كلّه ولا تَكِلْني إلى نفسي طرفة عين) (رواه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي) .
يقول ابن القيّم رحمه الله: (فأنّ العارفين كلهم مُجمعون على أنّ التّوفيق أنّ لا يكلك الله تعالى إلى نفسك والخذلان أن يكلك الله تعالى إلى نفسك، فمن أراد الله به خيرا فتح له باب الذّلّ والانكسار ودوام اللجوء إلى الله تعالى والافتقار إليه ورؤية عيوب نفسه وجهلها وعدوّانها ومشاهدة فضل ربّه وإحسانه ورحمته وجوده وبره وغناه وحمده، فالعارف سائر إلى الله تعالى بين هذين الجنّاحين لا يمكنه أن يسير إلا بهما فمتى فاته واحد منهما فهو كالطير الّذي فقد أحد جناحيه) (طريق الهجرتين) .