يشاء وَفْق حكمته، وهو خالقهم جميعًا، وكل ما سوى الله مصنوع فقير محتاج إلى خالقه تعالى [1] ، بل إن إسلام الكائنات يكون إسلامًا شرعيًّا ولو لم يكن طوعًا، فيكون كرهًا حينما ترى ما يُخضِع رقبتها للإسلام، قال قتادة: (المؤمن أسلم طوعًا، والكافر أسلم عند الموت كَرْهًا) [2] ، فالكافر يسلم حين يرى بأس الله، قال تعالى: {فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا} [غافر: 85] " [3] ، فتسلم كرهًا بعد أن فات وقت إسلامها طوعًا."
أليس الله قادرًا على أن يُخضع الرقاب له، ويُسجد الجباه له، ويُحني الظهور له؟! فما من عبد ترك ركعة لله تعالى هي فريضة، الله قادر على أن يحمله على أن يركعها يوم القيامة، ولكن على جمر من جهنم، وإن شئتَ فاقرأ قوله تعالى: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ * خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ * فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ} [القلم: 42 - 44] .
يقول صاحب الظلال:
(فظاهر أن إسلام الكائنات الكونية هو إسلام الخضوع للأمر، واتباع النظام، وطاعة الناموس، ومن ثَمَّ تتجلى عناية الله سبحانه ببيان معنى الإسلام وحقيقته في كل مناسبة، كيلا يتسرَّب إلى ذهن أحدٍ أنه كلمة تقال باللسان، أو تصديق يستقر في القلب، ثم لا تتبعه آثاره العملية من الاستسلام لمنهج الله، وتحقيق هذا المنهج في واقع الحياة،. ولن يكون الإسلام إذًا هو النطق بالشهادتين، دون أن يتبع شهادة أن لا إله إلا الله معناها وحقيقتها، وهي توحيد الألوهية وتوحيد القوامة، ثم توحيد العبودية وتوحيد الاتجاه، ودون أن يتبع شهادة أن محمدًا رسول الله معناها وحقيقتها، وهي التقيُّد بالمنهج الذي جاء به من عند ربه للحياة، واتباع الشريعة التي أرسله بها، والتحاكم إلى الكتاب الذي حمله إلى العباد، ولن يكون الإسلام إذًا تصديقًا بالقلب بحقيقة الألوهية والغيب والقيامة وكتب الله ورسله، دون أن يتبع هذا التصديق مدلوله العملي، وحقيقته الواقعية التي أسلفنا، ولن يكون الإسلام شعائر وعبادات، أو إشراقات وسبحات، أو تهذيبًا خلقيًّا وإرشادًا روحيًّا، دون أن يتبع هذا كله آثاره العملية ممثلة في منهج للحياة موصول بالله الذي تتوجه إليه القلوب بالعبادات والشعائر، والإشراقات والسبحات، والذي تستشعر القلوب تقواه فتتهذب وترشد، فإن هذا كله يبقى معطلًا لا أثر له في حياة البشر ما لم تنصبَّ آثاره في نظام اجتماعي يعيش الناس في إطاره النظيف الوضيء) .
(1) الدكتور/ عبدالعزيز بن محمد آل عبداللطيف: مقرر التوحيد ج 1 ص 17.
(2) الماوردي: النكت والعيون ج 1 ص 243.
(3) تفسير ابن أبي حاتم ج 3 ص 72.