لتظهر معجزة الإسلام، ذلك الدين الذي أيده الله تعالى بالبقاء بعد وفاة النبي محمد صلى الله عليه وسلم وبالقرآن الذي يظل محفوظًا بعد محمد صلى الله عليه وسلم حتى يأتي عيسى عليه السلام ويقتل المسيح الدجال، وتقوم الساعة.
ولعل في ذلك فائدةً تشير إلى أن الأنبياء مثل سائر البشر، بالرغم من أنهم قد اختصوا بشرف الرسالة فإن عليهم ما على البشر من واجبات، ومنها الإقرار بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم والعمل على نصرته.
قال ابن تيمية:
(أخذ الميثاق على المتبوع دلالةٌ على أخذه على التابع، وحقيقة الأمر أن الميثاق إذا أخذ على الأنبياء دخل فيه غيرهم لكونه تابعًا لهم؛ ولأنه إذا وجب على الأنبياء الإيمان به ونصره، فوجوب ذلك على من اتبعهم أولى وأحرى ولهذا ذكر عن الأنبياء فقط) [1] .
قال ابن عاشور:
(والمقصود من ذلك إعلام أممهم بذلك ليكون الميثاق محفوظًا لدى سائر الأجيال، بدليل قوله: {فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ} إلخ؛ إذ لا يجوز على الأنبياء التولي والفسق، ولكن المقصود أممهم) [2] .
وقد فرَّق العلماء بين الإسلام الكوني والإسلام الشرعي، فقوله تعالى: {وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ} ؛ أي: ارجعوا إليه بالطاعة، {وَأَسْلِمُوا لَهُ} ، والمراد بالإسلام في الآية الكريمة هو الإسلام الشرعي، ومعناه: الاستسلام والانقياد لأحكام الشريعة، وهذا لا يكون إلا للطائعين، فالطائع مسلم إسلاما شرعيًّا؛ لأنه انقاد لأحكام الشرع، وهو الذي يمدح فاعله وهو من أنواع العبادة، أما بالنسبة إلى الإسلام الكوني، وهو المعنى الثاني، فهذا هو الاستسلام لحكم الله الكوني، وهذا ليس خاصًّا بالطائعين، بدليل قوله تعالى: {وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا} ، ففيه من يسلم طائعًا، وفيه من يسلم وهو كاره، ومعنى هذه الآية أن جميع مَن في السموات ومن في الأرض منقادون لحكم الله الكوني بمعنى أنهم منقادون لِمَا يُجرِيه الله تعالى ويُقدِّره عليهم شاؤوا أم أبوا، فهذا إسلام كوني [3] .
ونظير ذلك قوله تعالى: {وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ} [الرعد: 15] ، فليس لأحد من المخلوقات خروجٌ عن قدر الله تعالى، فإن الله تعالى هو مليكهم يُصرِّفهم كيف
(1) الرد على المنطقيين ج 1 ص 451.
(2) التحرير والتنوير ج 3 ص 143.
(3) الدكتور عبدالله صالح الفوزان: حصول المأمول في شرح ثلاثة الأصول ج 1 ص 84.