الإسلام أكَّد على المعنى الحركي للدعوة، وأنها لا تقف عند حدود المكان، وأنه بالإسلام حان الوقت لأن تتحرَّك الدعوة إلى كل مكان، ويقابل هذه الميزة التي يتميز بها الإسلام وتختص بها أمة محمد صلى الله عليه وسلم، قصدُ البيت الحرام للحج، فمهما طاف الدعاة والمرابطون في سبيل الله، فإن قِبْلَتهم واحدة وقصدهم لبيت الله الحرام للحج لا يتغير، فجمع الإسلام بين عالمية الدعوة ومركزية الشعائر والعبادات.
وتسمية بيت الله الحرام ببكَّة يعني ربط المكان بالفعل الذي اشتهر المكان به؛ أي ربط البيت الحرام - وهو الكعبة - بعبادة الحج التي لأجلها سمي المكان مكة أو بكة، فبكة تعني الزحام؛ لأن الناس يبك بعضهم بعضًا في الطرق أي يدفع، فيصلح أن يكون الاسم اشتق من بَكَّ الناسُ بعضهم بعضًا في الطواف؛ أي دفع بعضهم بعضًا، وقيل بَكة اسم بطن مَكَّة، سميت بذلك لازدحام الناس [1] .
قال الزمخشري: (تباكت الإبل على الحوض: تزاحمت، وتقول: تباكوا، فتداكوا، وسميت بكة؛ لأنها كانت تبك أعناق الجبابرة) [2] .
يقول فاضل السامرائي:
"في آية آل عمران (بكة) ، وقال في الفتح (مكة) ، وسبب إيرادها بالباء في آل عمران أن الآية في سياق الحج: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ} [آل عمران: 97] ، فجاء بالاسم (بكة) من لفظ (البك) الدال على الزحام؛ لأنه في الحج يبك الناس بعضهم بعضًا؛ أي يزحم بعضهم بعضًا، وسُمِّيت (بكة) ؛ لأنهم يزدحمون فيها، وليس السياق كذلك في آية الفتح، فجاء بالاسم المشهور لها؛ أعني (مكة) بالميم) [3] ."
وقد تأكَّدت هذه المعلومة - نسبيًّا - بشهادة أهل الكتاب أنفسِهم، بأن مكة كانت محلاًّ للحج قبل عيسى عليه السلام:
ففي المزمور رقم 84 من مزامير داود نجد وصفًا للحجيج في رحلة الحج إلى بكة: (هكذا ورد اسمها ولا يزال باقيًا إلى اليوم في المزامير) .
ونجد الاسم واضحًا في كل ترجمات المزامير إلى سائر اللغات، نجده كما هو، ولا يتغير مطلقًا، مما يدل على أنه اسم علم لمكان معروف؛ ففي الترجمة الإنجليزية مثلًا نجد التالي:
(1) لسان العرب ج 10 ص 402.
(2) أساس البلاغة ج 1 ص 30.
(3) ألفاظ القرآن عند السامرائي: ملتقى أهل التفسر: