قال الشوكاني: (والسيد: الذي يسود قومه) [1] ، ليكون أول المرابطين من قومه وأول المصدِّقين بعيسى ابن مريم، وكان نبيًّا، لكن لم يكن معه من المعجزات مثلما كان مع المسيح عيسى عليه السلام، فلم يسلم من أذى اليهود حتى قتلوه كسائر النبيين من قبله.
ولَمَّا كانت قد عُرضت شبهة لدى بني إسرائيل في أحقيَّتهم في اتباع نبي الله إبراهيم، ورد عليهم القرآن بما يزيل هذه الشبهة عن الأفهام، فإن ذات الشبهة عرَضت كذلك للنصارى، ومن ثَمَّ استطردت آيات من سورة آل عمران في الرد عليهم.
قال تعالى: {مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [آل عمران: 67] ، فكان القرآن قاطعًا لحُجَّتهم كما قطع حجَّة بني إسرائيل، وليس أدل على ذلك من قوله تعالى في سورة البقرة مخاطبًا أهل الكتاب من بني إسرائيل: {قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} [البقرة: 136] ، فهو نظير قوله تعالى في سورة آل عمران مخاطبًا النبي صلى الله عليه وسلم ليحاج بها أهل الكتاب من النصارى: {قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 84] ؛ ليتضح الفارقُ في توجيه الخطاب الدعوي لكلا الفريقين، فهؤلاء اليهود يعلمون الحق ويكتمونه، ولذلك جاء الأمر لهم لكي يُقرُّوا به على ألسنتهم، بينما النصارى ضلُّوا عن الطريق، فكان على النبي صلى الله عليه وسلم أن يُخبِرهم عن الطريق، وأن الدين واحد، وهو دين الأنبياء من قبله، فكان في إقراره لهم بذلك ما يزيل عنهم شبهة أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم مبتدعًا لدين يخالف ما كان عليه الأنبياء من قبله.
والمتأمِّل في سورة آل عمران يجدُ أنها لم تذكر أحكامًا منهجية كما فعلت سورة البقرة؛ إذ عالجت إشكاليةَ تأسيس المنهج، وإنما عُنِيَت بتطبيق المنهج وبيان أسباب هزيمةِ المسلمين في أُحُدٍ، وما يستتبع ذلك، وما ترتب عليه من آثار، وعلاج هذه الآثار بما يعيد ترتيب الصف المسلم، وتهيئة الأجواء لعهد جديد بذات الصف الذي هُزِم في أُحُدٍ، لكن بعد أن يستبصر موطن الزلل، ويستغفر الله على ما فات، ولذلك نزل الأمر من الله تعالى بالعفو عنهم وتجديد الثقة فيهم، يقول سبحانه: {وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} [آل عمران: 159] .
(1) فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير ج 1 ص 461.